محمد العشيوي - «الجزيرة»:
شهدت صورة الزوجة في الدراما السعودية تحولًا تدريجيا وعميقاً في طريقة تقديم الشخصية على الشاشة، فبعد أن ظلت لسنوات طويلة حبيسة القوالب التقليدية التي تُظهرها كامرأة صامتة تؤدي واجباتها الأسرية دون مساحة حقيقية للتعبير عن ذاتها، بدأت هذه الصورة تتغير مع تطور الدراما السعودية وصعود جيل جديد من الممثلات السعوديات القادرات على تقديم شخصيات أكثر تعقيد وواقعية.
في الأعمال القديمة، غالبًا ما كانت الزوجة تظهر بوصفها شخصية وظيفية داخل البناء الدرامي، تقف في الخلفية، تراقب الأحداث بصمت، أو تتحمل الأعباء الأسرية دون أن يكون لها تأثير حقيقي في مسار القصة، لكن مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع، بدأت الدراما تعيد النظر في هذه الصورة، لتمنح الزوجة مساحة أوسع داخل السرد الدرامي.
في مسلسل «شارع الأعشى» الذي تدور أحداثه حول قصص الحب والأحلام الوردية، تتخذ شخصية الزوجة عدة مسارات إنسانية بين التضحية والألم والتقلبات الحياتية، فالزوجة هنا ليست مجرد ظل للعلاقة، بل طرف يعيش صراعاته الخاصة، في الوقت الذي تدور فيه قصص الفتيات في العمل حول الزواج وتداعيات الحياة الزوجية وما تحمله من أحلام وتحديات.
أما في مسلسل «يوميات رجل متزوج»، فيبرز نموذج مختلف لهذا التحول إذ تظهر الزوجة بوصفها شخصية تدور في فلك الحياة الزوجية اليومية بكل تناقضاتها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك حضورًا فاعلًا داخل العلاقة، وتشارك في صناعة القرار، وتواجه تحدياتها الخاصة وهو نموذج يعكس قدرًا كبيرًا من الواقعية في تصوير الحياة الأسرية المعاصرة.
وفي مسلسل «حي الجرادية» تتخذ صورة الزوجة منحى أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل قصصها مع قضايا الخيانة والأوهام والتضحيات، وعلى الرغم من أن العمل يقوم على حبكة انتقامية، فإن شخصية الزوجة لا تبقى في موقع المتلقي للأحداث، بل تصبح عنصرًا محوريًا في تقلباتها وتطور مسارها الدرامي.
من النمطية إلى شخصية معقدة
هذا التحول يعكس في جوهره تغيرًا في النظرة الدرامية إلى المرأة داخل المجتمع، فالدور الذي كان يُقدم في السابق بوصفه دورًا هامشيًا، أصبح اليوم أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحولات الاجتماعية والعاطفية داخل الحكاية.
ومع ظهور جيل جديد من الممثلات السعوديات، أصبحت الدراما أكثر قدرة على تقديم أطياف متنوعة من هذه الشخصية من الزوجة الشابة، إلى المرأة المتزنة، إلى الأم ذات الخبرة، وهو ما أسهم في إثراء المشهد الدرامي وإعطائه بعدًا إنسانيًا أكثر عمقًا وواقعية.
ومن هنا يمكن القول: إن تطور صورة الزوجة في الدراما السعودية لا ينفصل عن صعود جيل جديد من الممثلات السعوديات، استطعن أن ينقلن هذه الشخصية من الأداء النمطي إلى الأداء المركب، وأن يمنحنها ملامح أكثر صدق وقربًا من الواقع، فالممثلة السعودية اليوم لم تعد تؤدي الزوجة باعتبارها «دورًا اجتماعيا» فقط بل باعتبارها بنية نفسية كاملة، كامرأة شابة، مترددة، قوية، مكسورة، حكيمة، متعبة، أو حتى متواطئة مع واقعها أحيانًا، وهذا التنوع في الأداء أسهم في تحرير الشخصية من اختزالها السابق.
نقديًا، المسألة لا تتعلق فقط بتكبير مساحة المرأة داخل النص، بل بتغيير زاوية الرؤية إليها، فحين تتحول الزوجة إلى مركز توتر درامي، فهذا يعني أن الدراما السعودية بدأت تفهم الأسرة بوصفها فضاء للصراع والتفاوض وإعادة تعريف الأدوار، لا مجرد إطار ثابت للقيم الجاهزة. ومع هذا الفهم الجديد، صارت الزوجة أكثر من صورة اجتماعية مألوفة وأصبحت مفتاحا لقراءة التحولات التي يعيشها المجتمع نفسه.