شوقية بنت محمد الأنصاري
في اليوم العالمي للمرأة تزخرفت مواقع التواصل الاجتماعي بتفاعل الأفراد، وبالدعم المؤسسي لإبراز صورة المرأة السعودية في عصر تمكينٍ يواكب مستهدفات رؤية وطنية آمنت بكفاءة قدراتها القيادية، وهيّأت لها المسار الأنسب لطبيعة جوهرها الإنساني، حيث كان ولا يزال تعليم المرأة هو المدرسة التأسيسية لصناعة الأم والمعلمة والقدوة، لتنطلق منها الرسالة العظمى في بناء جيل الأمة والنهضة.
وعبر موقع المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي في منصة (X) جاءت مشاركة المعهد بصورة ترسم المرأة السعودية في محافل التميز التعليمي، تنساق منها دلالات سيميائية مكثفة، فنلمح تضافراً ودمجاً للعلامات، مما يحفز لقراءة تأويلية ما بعد لغة العنوان، وصورة تجسيد المرأة، وتراكيب مهنتها وسياق نماء وظيفتها، وبالتالي نقرأ مؤشرات تحقّق الإقناع في المتلقي، وهذا ما يجعل الصورة خطاب توثيق مؤثر، فنجد التجسيد البصري حياً لتمكين المرأة في الميدان التعليمي وفق رؤية السعودية 2030.
ففي دلالة العنوان (المرأة السعودية في محافل التميز التعليمي) تحوّل في الخطاب وانعكاس لدور المرأة، فبعد أن كانت مستفيدة من التعليم، انتقلت لقائدة للتغيير، ومحفزة للتحوّل وصناعة مسار التميز.
فالمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي في يوم المرأة العالمي يبرهن رسالته ودوره حين حقّق للمرأة خارطة التمكين في إطار مؤسسي يطور قدراتها نحو الكفاءة والاحترافية، ونجح في توظيف استراتيجية الصورة كمادة تشهيرية لجودة أدائه المؤسسي، وصفها (سعيد بنكراد) بقوله: «بتقنية المرجع السيميائي وكيفية توظيفه في كشف البنية العميقة».
كما يظهر في الصورة التنوع الجغرافي كوحدة مشتركة للنهضة الوطنية، حيث أشارت الصورة لأسماء مناطق مختلفة (مكة المكرمة، المدينة المنورة، الرياض، نجران، الشرقية) وفي ذلك دلالة متحضرة على أن نهضة المرأة السعودية في ظل رؤية 2030 ليست محصورة في مراكز المدن الكبرى، بل هي في حراك شامل يمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق للغرب، مما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص وتعميم التنمية.
رسالة أصيلة لم تتغير وجهتها من تاريخ تأسيس السعودية الأولى، حتى عصرنا الحاضر والمبدأ لم يتحول عن (تنمية الإنسان والنهضة بالأوطان).
إن المعهد الوطني يؤكد عمق رسالته في تمكين المرأة المتعلمة حين حقق جودة التميز بمخرجات برامجه، فكانت عبارة (إبداع وابتكار لأجيال منافسة عالمياً) هي النقطة الحاسمة لربط شخصية المعلمة (وقود الإلهام) بمخرجات الرؤية التي تجاوزت بها ذاتها نحو(الجيل المنافس).
ويظهر ذلك جلياً في تنوع (الممارسات المتميزة) التي دونت في أسفل كل صورة شخصية للمعلمات:
- تنمية القدرات البشرية:
(واحة التأليف للطفل الأديب).
- التحول الرقمي:
(كنوز مدرستي التعليمية، الوحدة التعليمية الذكية).
- الإدارة والقيادة:
(قيادة المشاريع المدرسية).
- العمل الجماعي وتطوير القياس:
(من الحصة الفردية إلى العمل الجماعي، تصميم التقويم).
وفي هذا التنوع دلالة لنماء مهارات المرأة السعودية القيادية لمواكبة التطوير والتغيير، فلم تعد تكتفي بالتدريس التقليدي، بل أصبحت مبتكرة لحلول تعليمية تتقاطع مع مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية، حيث تلتقي الصورة مع مرتكزات رؤية 2030 في نقاط جوهرية لدلالة التمكين:
- المرأة كعنصر قوة:
الرؤية استهدفت رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، والصورة تؤكد أن منافسة المعلمة ومشاركاتها ليست مسافة رقمية فقط، بل فرصة للاستثمار في قطاع يُعد هو الأساس لأي تحول وطني (قطاع التعليم).
- الاستثمار في رأس المال البشري:
كل اسم في الصورة يمثل قصة نجاح لممارسة تعليمية أثبتت كفاءتها، مما يعني أن المؤسسات التعليمية تستثمر في (المرأة - المعلمة) كخبير استراتيجي قادر على قيادة دفة التغيير لمشاريع تنموية ثقافية اقتصادية ريادية.
- الاعتزاز بالهوية مع الانفتاح العالمي:
تظهر الشخصيات بزيّهن الرسمي الذي يعبر عن الهوية الوطنية والثقافية، وفي ذات الوقت يحملن فكراً طموحاً للمنافسة العالمية، وهي المعادلة الصعبة التي نجحت الرؤية في تحقيقها فكانت المرأة السعودية حاضرة في المؤتمرات الدولية، ومعارض الاختراعات والابتكارات، ومنافسة على أعلى الجوائز والمنافسات.
- التأمل في الصورة يأخذنا لأبعد من الحكم عليها بأنها لوحة تكريم، بل هي بيان استحقاق، فتثير تساؤلاً فلسفياً:
ماذا يعني أن تكون المعلمة ملهمة في يومها العالمي عن كل النساء؟ لأقرأ بين سطور الصورة الجواب: الإلهام أثر ملموس، ممارسة مبتكرة، وجيل واثق.
إن هؤلاء النسوة في الصورة هنَّ النوافذ والأبواب لقراءة شعار (يوم المرأة العالمي) من احتفالية سنوية إلى واقع مستدام (جودة حياة) يُبنى في حاضنات العلم، عبر منظومة جغرافية وطنية تتنافس لشرف بناء الانسان، وترديد نشيد الانتماء.
في يوم المرأة العالمي، لا نحتفي بالأرقام كمعايير جودة للتعليم، بل بنبض يسري في جسد الأمة، حين تجتمع الأمومة بالتعليم، والوعي بالثقافة في كيان امرأة، فنحن لا نتحدث عن وظيفة، بل عن صناعة وجود، عن فلسفة إلهام لجيل المستقبل. لكي تكون معلماً ملهماً هو أن تثير السؤال بحثاً عن الحقائق، هو إيقاد شعلة كما وصفه الفيلسوف سقراط: (التعليم هو إيقاد شعلة، وليس ملء وعاء) وهذه الشعلة حين تمسك بها يد المرأة المعلمة المثقفة المتحضرة الواعية فإنها تتخذ أبعاداً أعمق للإلهام، حيث تدمج حزم المعرفة بحنان التربية، في بيئة آمنة ينمو فيها الابتكار وتزدهر فيها الموهبة، وترى في الطفل مشروع قائد لمستقبل مشرق.
فهي القدوة التي لا تلقن القيم، بل تتعايشها أمامهم.
يقول الفيلسوف جون ديوي: «التربية ليست تحضيراً للحياة، بل هي الحياة ذاتها».
بهذه القراءة السيميائية النقدية نقرأ للإلهام مسافة موزونة بين العلم والأدب، تزداد حوله الحقائق المعرفية والثقافية بكل أنساقها الدلالية، فكان من الأجدر حضور الدعم والتمكين المؤسسي، لتنقل مدلولاتها وعلاماتها عبر وسائط ومولدات عديدة، لنمطية مبتكرة، هي نقطة حاسمة في القرار المؤسسي الكبير.
ختاماً:
في يوم المرأة العالمي، نستذكر أن صوت الطفولة بدأ بحكاية المرأة (الأم – المعلمة – المثقفة - القائدة) كجسر يربط بين إرث الماضي وتطلعات المستقبل، وهي التي تجعل من كل درس قصيدة، ومن كل تجربة علمية رحلة استكشاف ينمو فيها العلم ليصبح عملاً، والعمل يصبح حياة، والحياة مدرسة الأمومة في منظومة وطنية معمورة.