عماد بن حمود الرحبي
لم تعد قضايا النصب والاحتيال مجرد حوادث فردية عابرة يمكن تجاوزها بالصمت أو التهوين، بل أصبحت مصدر قلقٍ حقيقيٍ لدى كثيرٍ من الناس؛ لما تتركه من أثرٍ نفسيٍ واجتماعيٍ عميق، ولما تثيره من تساؤلاتٍ مؤلمةٍ حول تراجع بعض القيم التي يقوم عليها المجتمع السليم.
فالمشهد حين يتعلق بأكل أموال الناس بالباطل لا يكون شأنًا ماليًا فقط، بل هو جرحٌ أخلاقيٌ أيضًا، وتزداد مرارة الأمر حين يقع الظلم بين الأقربين، أو حين تمتد يد الطمع إلى حقوق الضعفاء، أو حين يتحول الكذب والخداع إلى وسيلةٍ لانتزاع ما لا يستحقه الإنسان؛ عندها لا تكون الخسارة محصورةً في المال وحده، بل تمتد إلى الثقة، وإلى الشعور بالأمان، وإلى صورة العلاقات بين الناس.
والأشد إيلامًا أنَّ بعض المظلومين لم يعودوا يخشون الفعل نفسه فقط، بل يخشون ما يرافقه من تعقيدات الطريق؛ حين يختلط الصدق بالادعاء، وتُستغل الإجراءات في غير مقاصدها، ويجد المتضرر نفسه في مواجهة استنزافٍ نفسيٍ وماليٍ طويل. فالمشكلة لا تكمن في وقوع الظلم فحسب، بل في إحساس البعض بأنَّ الوصول إلى الحق قد يصبح مرهقًا وشاقًا إلى حدٍ يضعف معه الأمل أو يثقل معه الصبر.
وتزداد خطورة المشهد حين تُستسهل الأيمان الكاذبة، أو تُستخدم الدعوى الباطلة وسيلةً للضغط أو الابتزاز أو قلب الحقائق، فحين يفقد بعض الناس هيبة الكلمة، وحرمة القسم، وعظمة المسؤولية أمام الله والقانون؛ فإن الخلل لا يبقى فرديًا، بل يبدأ في التأثير على الضمير العام، ويزرع الخوف والشك في النفوس.
إنَّ الظلم إذا وقع مرةً كان مؤلمًا، أما إذا تكرر وسكت الناس عنه، أو شعروا بأنَّ أصحابه يزدادون جرأةً؛ فإنه يتحول إلى مناخٍ يرهق المجتمع كله، فالناس لا تخاف فقط على أموالها، بل على المعنى الأعمق: أن يبقى الصدق محترمًا، وأن يجد المظلوم مَن ينصفه، وألا يشعر الظالم بأنَّ الكذب قد يفتح له أبوابًا لا يستحقها.
ومن هنا، فإنَّ الحديث عن هذه الظواهر ليس مبالغةً ولا تشاؤمًا، بل تعبيرٌ عن خوفٍ مشروعٍ على تماسك المجتمع وسلامه الأخلاقي؛ لأنَّ الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من مشاريع وإنجازات، بل أيضًا بما تحمله من عدل، وما تصونه من حقوق، وما تغرسه في النفوس من ثقةٍ بأنَّ القانون ملاذٌ للمظلوم، لا عبءٌ إضافيٌ عليه.
وفي عالمٍ يموج اليوم بالتوترات والتحديات الاقتصادية والإقليمية، تصبح الحاجة إلى التماسك الداخلي أكبر من أي وقتٍ مضى. فالمجتمع الذي يواجه الخارج بثباتٍ هو المجتمع الذي يحافظ في داخله على العدل، ويصون الأمانة، ويردع العبث بالحقوق، ويغلق الأبواب أمام كل مَن يحاول أن يجعل من الكذب وسيلةً، ومن الظلم مكسبًا، ومن استغلال الناس تجارةً.
هذه الكلمات ليست دعوةً إلى اليأس، ولا تحميلًا للأمور أكثر مما تحتمل، وإنما هي دعوةٌ صادقةٌ إلى اليقظة قبل أن تتسع الجراح. فالعلاج لا يكون بإنكار المشكلة، ولا بالتقليل من معاناة المتضررين، وإنما بتعزيز العدالة، وتسريع الإنصاف، وردع الادعاءات الكيدية، وتجريم العبث بحقوق الناس، وترسيخ احترام اليمين والصدق والمسؤولية في الوعي العام.
إنَّ الوطن لا يحميه المال وحده، ولا العمران وحده، ولا الشعارات وحدها، بل يحميه العدل، فإذا قوي العدل، اطمأن الناس؛ وإذا اطمأن الناس، استقامت المعاملات، وهدأت النفوس، وبقي المجتمع أكثر قدرةً على مواجهة التحديات بثقةٍ وتماسك.
حفظ الله عُمان وأهلها من الظلم والفساد والفتن، وأدام عليها نعمة الأمن والعدل والاستقرار، وردّ الحقوق إلى أصحابها، وألهم الجميع الصدق والإنصاف وحسن المسؤولية.