د. إبراهيم بن جلال فضلون
كتب المؤرخ الأمريكي Gary Scott Smith يوماً أن «السياسة الأمريكية لم تكن يوماً علمانية بالكامل، بل كانت دائماً تتحرك داخل ظلّ الدين».
لكن ما يحدث في العقدين الأخيرين يتجاوز العلاقة التقليدية بين الكنيسة والسياسة، ليصل إلى محاولة إعادة تعريف الدولة الأمريكية نفسها بوصفها دولة دينية ذات رسالة مقدسة. وفق رأي عالم الاجتماع الديني Robert P. Jones رئيس معهد أبحاث الدين العام إن «القومية المسيحية ليست مجرد عقيدة دينية، بل مشروع سياسي لإعادة تعريف هوية الدولة». نتيجة لذلك ظهرت شخصيات دينية مؤثرة في السياسة الأمريكية المعاصرة، من بينها الواعظة الإنجيلية باولا وايت، التي أصبحت مستشارة روحية للرئيس الأمريكي ترامب، وأحد أبرز رموز التحالف بين اليمين الديني والحزب الجمهوري، تحالف لا يمكن فهمه إلا عبر قراءة تاريخية عميقة للعلاقة بين النصوص الدينية والسلطة السياسية في الثقافة الأمريكية.
إن الرمزية الدينية في السياسة – بين (مردخاي وهامان)، وافقتها الأدبيات الدينية اليهودية-المسيحية، في سفر إستير إلى صراع بين «الشعب المختار وأعدائه». وهذا النموذج الرمزي استُخدم كثيراً في الخطاب الديني السياسي المعاصر في الولايات المتحدة، حيث يُصوَّر الصراع السياسي أحياناً بوصفه معركة أخلاقية أو دينية، وهُنا الكلام ليس قصة لامرأة واعظة فقط، بل قصة حركة دينية - سياسية كاملة تحاول إعادة تشكيل أمريكا وفق تصور ديني محافظ، في لحظة تاريخية تشهد فيها البلاد تحولات ديموغرافية وثقافية عميقة.
إن أسطورة «الشعب المختار» في مُخيلة السياسي الأمريكي، جعلت الخطاب الإنجيلي المحافظ يصف أمريكا أحياناً كأمة مُختارة، وأن هذه البلاد ليست مجرد دولة، بل مشروع إلهي، فيُنظر إلى التحولات الاجتماعية (مثل العلمانية أو الحقوق المدنية الجديدة) كتهديد لهذه الهوية، وهو تصور ظهر بوضوح في خطاب «المدينة فوق التل» الذي استخدمه المستوطنون البروتستانت الأوائل، والذين اعتقدوا أن أمريكا ستكون نموذجاً للعالم المسيحي الجديد. ليُعاد في الخطاب الإنجيلي المعاصر إنتاج هذه الفكرة عبر رموز توراتية، أبرزها قصة مردخاي وهامان في سفر إستير. وتشير دراسات معهد Public Religion Research Institute إلى أن أكثر من 30% من الأمريكيين يمكن تصنيفهم كمؤيدين أو متعاطفين مع القومية المسيحية. بينما يشكّل الرافضون لها قرابة ثلثي المجتمع الأمريكي، مما يعني أن هذا التيار ليس أغلبية، لكنه كتلة سياسية منظمة وقادرة على التأثير.
وللتنويه فقط أن في هذا النموذج الرمزي: مردخاي يمثل «الشعب المؤمن».، أما هامان يمثل «قوى الشر».
ويُعاد إسقاط هذا الصراع اليوم على الواقع السياسي: فالمحافظون المسيحيون = حماة الأمة. والليبراليون والعلمانيون = تهديد الهوية.
ومن سفر يشوع إلى الخيال السياسي في الخطاب الديني السياسي للإنجيليين، يُستدعى أحياناً سفر يشوع بوصفه نموذجاً لقيادة دينية تحقق «الوعد الإلهي» في الأرض، كرمزية سياسية أكثر منها لاهوتية، فيشوع يقود شعبه إلى الأرض الموعودة، بينما القائد السياسي في الخطاب الإنجيلي يُصوَّر أحياناً كأداة لتنفيذ «خطة إلهية». وبعض القادة الدينيين وصفوا ترمب وغيره من الساسة بصفات توراتية مثل: (الملك كورش أو الملكة إستير)، وهو خطاب يهدف إلى إضفاء شرعية دينية على القيادة السياسية.
ولنرى صعود اليمين المسيحي الأمريكي فهو ليس ظاهرة جديدة، لكنه ازداد قوة منذ سبعينيات القرن العشرين مع صعود الحركة الإنجيلية المحافظة.
مُنذ صعود الواعظ Billy Graham وتأثيره على الرؤساء، ثُم تأسيس «الأغلبية الأخلاقية» في عهد ريجان، لنرى تحالفات غير متوقعة بين رجال الدين ورجال الأعمال والسياسيين، أي التحالف القوي بين الإنجيليين والحزب الجمهوري في القرن الحادي والعشرين.
إذ وفق الدراسات الحديثة يشكّل الإنجيليون البيض حوالي 13-15% من سكان الولايات المتحدة، لكنهم يمثلون كتلة انتخابية شديدة الانضباط. أما في انتخابات 2016 و2020 فقد صوّت نحو 80 % من الإنجيليين البيض لصالح المرشح الجمهوري ترمب، وكما تُظهر الدراسات أن65 % من الإنجيليين البيض يحملون أفكاراً مرتبطة بالقومية المسيحية.
إن إدخال باولا وايت - الدين داخل البيت الأبيض، في أبرز اقتربت من مركز القرار السياسي في واشنطن، وارتباطها بما يُسمى «إنجيل الازدهار» الذي يربط الإيمان بالنجاح المادي، والاعتقاد بأن الإيمان القوي والتبرعات الدينية يمكن أن يجلبا الازدهار المالي والصحة، وهو ما جذبت عظاتها اهتمام ترمب منذ عام 2002، عندما شاهد برنامجها التلفزيوني، فأصبحت مستشارة روحية له، تُشاركه صلاته خلال حملته الانتخابية.
على سبيل المثال: أعلن ترامب خلال إحدى حملاته أن قساوسة من 99 مقاطعة في ولاية أيوا أيدوا حملته، فحوالي ربع الأمريكيين يعتقدون أن فوز ترامب كان جزءاً من «خطة إلهية، وترتفع هذه النسبة إلى نحو 60 % بين الإنجيليين البيض في بعض الاستطلاعات.
إن فكرة «الدولة المؤمنة» -القومية المسيحية- ليست حركة دينية بحتة، بل مشروع سياسي واضح المعالم جوهره الاعتقاد بأن أمريكا تأسست كدولة مسيحية، وأن القيم المسيحية يجب أن تكون أساس القانون، وعلى الدولة حماية الهوية الدينية للأمة. لكن المفارقة أن المجتمع الأمريكي نفسه يتغير بسرعة فالدراسات تشير إلى أن %70 من الأمريكيين يرفضون إعلان أمريكا دولة مسيحية رسمياً. فنسبة الأمريكيين بلا انتماء ديني وصلت إلى 28 %، وبين الشباب تصل إلى 38 %، أي أن المجتمع يتجه نحو مزيد من العلمانية، بينما تتحرك بعض القوى السياسية في الاتجاه المعاكس، فالدين ليس حكراً على الجمهوريين الذي حصل بايدن في انتخابات 2020 على دعم 1600 رجل دين مسيحي أعلنوا تأييده.
كما أن الكنائس السوداء لعبت تاريخياً دوراً محورياً في دعم الحزب الديمقراطي، وهناك شخصيات مثل Martin Luther King Jr جمعت بين الخطاب الديني والنضال السياسي. الفرق الأساسي أن:
اليمين المسيحي يميل إلى تحويل الهوية الدينية إلى مشروع سياسي قومي.
بينما يستخدم الديمقراطيون الدين غالباً كمرجعية أخلاقية اجتماعية.
هناك تحولات ديموغرافية، كانت سببًا في تراجع الهيمنة الدينية، فوفق الدراسات الحديثة أن 28 % من الأمريكيين اليوم بلا انتماء ديني، مقارنة بـ16% فقط عام 2006، وتصل النسبة بين الشباب (18-29 سنة) إلى 38 % . إذاً هذا التغير يخلق توتراً سياسياً، فاليمين الديني يشعر بفقدان النفوذ الثقافي، بينما تتجه الأجيال الجديدة نحو مجتمع أكثر علمانية.
وقفة: إن العلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة ليست ظاهرة عابرة، بل جزء من البنية التاريخية للنظام الأمريكي، فمنذ زمن چورج واشنطن وحتى عصر الرئيس الحالى، ظل الدين حاضراً في الخطاب السياسي، وإن تغيرت أشكاله.
لكن الواقع المعاصر يكشف مفارقة عميقة من جهة، صعود خطاب القومية المسيحية، ومن جهة أخرى، تراجع الانتماء الديني في المجتمع.. وبين هذين الاتجاهين تتشكل معركة الهوية في الولايات المتحدة، يلوح في الذهن سؤالًا: هل تبقى أمريكا «أمة تحت الله»، أم تتحول تدريجياً إلى مجتمع سياسي أكثر علمانية وتعددية؟.