د. عيسى محمد العميري
لاشك بأنه الخطوة الخطيرة التي تمثلت في تهديد إيران بإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة للضغط على العالم بأسره وبالأخص دول الخليج العربي، وهو في تقديرنا أمر خطير جداً لهذا التصرف غير المقبول وغير المسبوق. وهو ما يأتي في خضم الرد على المواجهة العسكرية التي تخوضها مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. غير أن هذه الخطوة لا تمثل مجرد إجراء عسكري أو ورقة ضغط سياسية، بل تعكس محاولة واضحة لاستهداف مصدر رزق دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وشعوبها، عبر تهديد شريان اقتصادي وحيد تعتاش منه هذه الدول. وبناء عليه.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي عادي، بل يمثل شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج العربي. ومن هنا، فإن أي تهديد لهذا الممر لا يمس فقط الاقتصاد العالمي، بل يضرب في صميم الاقتصاد الخليجي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار حركة تصدير الطاقة. والمفارقة في هذا المشهد أن دول الخليج العربي لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب القائمة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ومع ذلك وجدت نفسها في مرمى التداعيات والتهديدات التي تحاول طهران توجيهها نحو المنطقة. فبدلاً من حصر ردودها ضمن نطاق المواجهة مع خصومها المباشرين، لجأت إيران إلى سياسة توسيع دائرة الضغط عبر تهديد أمن الملاحة في الخليج، الأمر الذي يضع المنطقة بأكملها أمام مخاطر اقتصادية وأمنية كبيرة. إن هذه السياسة لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها محاولة لفرض واقع جديد يقوم على مبدأ الضغط الاقتصادي والأمني على دول الجوار، رغم أن هذه الدول لطالما حرصت على تجنب التصعيد والحفاظ على علاقات متوازنة قائمة على احترام السيادة وحسن الجوار. فقد أكدت دول الخليج العربي مراراً وتكراراً رغبتها في بناء علاقات قائمة على التعاون والاستقرار مع جميع دول المنطقة، بما في ذلك إيران نفسها، إيماناً منها بأن أمن المنطقة لا يتحقق إلا بالحوار والتفاهم المشترك. لكن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يعكس توجهاً مغايراً، يقوم على استخدام الجغرافيا كورقة ضغط سياسية، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المنطقة واقتصادها. وهو أمر يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام إيران بمبادئ حسن الجوار التي تشكل أساس العلاقات بين الدول. ورغم هذه التهديدات المتكررة، فإن دول الخليج العربي ما زالت تتعامل مع هذه التطورات بدرجة عالية من الحكمة وضبط النفس، وهو ما يعكس الرؤية المتزنة والقيادة الحصيفة لقادتها. فبدلاً من الانجرار إلى التصعيد، اختارت هذه الدول الاستمرار في الدعوة إلى التهدئة والحوار، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها ومصالحها الحيوية.
إن هذه الحكمة السياسية ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لنهج طويل اعتمدته دول الخليج في إدارة علاقاتها الإقليمية، حيث فضلت دائماً الحلول الدبلوماسية والحوار على لغة الصدام. وقد أثبتت التجارب أن هذا النهج كان عاملاً أساسياً في الحفاظ على استقرار المنطقة في العديد من المحطات الصعبة. اللهم احفظ دول الخليج العربي آمنة مطمئنة.
** **
- كاتب كويتي