فائز بن سلمان الحمدي
في حياة الأوطان نِعَمٌ عظيمة تمر على الناس في صمت، فلا يقفون عندها طويلًا؛ لأنهم وُلدوا في ظلها وألفوا وجودها حتى حسبوها من طبائع الحياة التي لا تتغير.
ولكن الحقيقة أن تلك النعمة التي يعيشها الناس كل يوم دون أن يشعروا بعظيم قدرها ليست أمرًا يسيرًا، بل هي ثمرة رجال يقفون حيث ينتهي الأمن ليبدأ الواجب، ويثبتون حيث يهرب الخوف، ويصمدون حيث ترتجف القلوب. هناك على أطراف الوطن، حيث يشتد الصمت وتمتد الأرض بلا نهاية، يقف رجال عقدوا العهد أن يبقى هذا الوطن آمنًا ما دامت في صدورهم أنفاس، وجعلوا من أجسادهم دروعًا، ومن أعينهم حراسةً لا تنام، ومن أرواحهم سياجًا يحوط البلاد.
هؤلاء هم المرابطون على الثغور؛ رجال لا يطلبون مجدًا يقال، ولا يبتغون ذكرًا يرفع في المجالس، لأنهم يعلمون أن المجد الحقيقي ما كُتب في صحائف السماء، وأن أعظم الشهادة ما شهدت به الأرض التي وقفوا عليها حراسًا. وبينما تنام المدن في دفء الطمأنينة ويغفو الأطفال في حضن الأمان، يكون أولئك الرجال واقفين في صمت مهيب، كأنهم جبال نبتت على الحدود، لا تميل مع العواصف ولا تنكسر أمام الرياح. الليل رفيقهم، والبرد جليسهم، والسهر طريقهم، ولكنهم يمضون ثابتين؛ لأنهم يعلمون أن وراءهم وطنًا كاملًا ينام مطمئنًا لأنهم هناك.
يا حماة الثغور، يا من جعلتم الليل موطنًا للصبر، والسهر طريقًا للوفاء، والحدود عهدًا لا يُفرَّط فيه؛ إن الأمة وإن لم تر وجوهكم كل يوم فهي تشعر بوجودكم في كل لحظة طمأنينة، وفي كل فجر يشرق على أرضٍ لم تطأها أقدام المعتدين.
أنتم سياج الوطن المنيع، وأنتم درع الأمة إذا اشتد الخطب، وأنتم العهد الذي لا ينكسر حين تتكاثر الخطوب. وما أعظم مقامكم عند الله؛ فإنكم تحرسون أرضًا جعلها الله قلب العالم الإسلامي، أرضًا فيها قبلة المسلمين، ومنها خرج نور الرسالة، وعلى ثراها قامت كلمة التوحيد التي أضاءت الدنيا. إنها المملكة العربية السعودية، الأرض التي شرفها الله بالحرمين الشريفين، وجعلها مهوى أفئدة المؤمنين ومهوى قلوب المسلمين. وأي شرف أعظم من أن يقف الإنسان حارسًا لأرضٍ فيها بيت الله الحرام ومسجد نبيه صلى الله عليه وسلم؟ وأي فخر أرفع من أن يكون المرء جنديًا يحرس البلاد التي خرج منها النور الذي أضاء الأرض؟
إن الأوطان لا يحفظها الكلام ولا تصونها الشعارات، بل يحفظها رجال إذا نادى الواجب لبّوا، وإذا اشتد الليل صبروا، وإذا هبّ الخطر ثبتوا كأن في قلوبهم جبالًا لا تتزعزع.
هؤلاء هم الرجال الذين تكتبهم الأرض في سفر المجد، ويكتبهم التاريخ في صفحاته الخالدة؛ لأنهم وقفوا حين تراجع غيرهم، وثبتوا حين اضطربت المواقف.
غير أن هذه الحراسة العظيمة لا تقوم على أكتاف الجنود وحدهم، بل تقف خلفها قيادة راشدة جعلت أمن الوطن عقيدةً لا مساومة فيها، وواجبًا لا يعرف التهاون. قيادة تدرك أن الأمن ليس شعارًا يرفع في الخطب، بل عملٌ دؤوب وسهرٌ طويل وتدبير حكيم يستشرف الأخطار قبل وقوعها ويصون البلاد بعزم لا يلين. ففي قمة هذا البناء الشامخ يقف خادم الحرمين الشريفين، الملك الذي حمل أمانة هذه البلاد العظيمة، وجعل من خدمة دينها وحماية أرضها وصيانة أمنها طريقًا ثابتًا لا يحيد عنه. ملكٌ يسهر ليطمئن شعبه، ويجعل سلامة الوطن في مقدمة كل قرار، حتى أصبحت هذه البلاد -بفضل الله ثم بعزيمته- واحة أمن في عالم تعصف به الاضطرابات. وإلى جانبه ولي العهد الأمين، الأمير الذي حمل لواء المستقبل بعزم الشباب وحكمة الرجال، فكان ساعدًا قويًا للقيادة ورمزًا لإرادةٍ لا تعرف التردد حين يتعلق الأمر بأمن الوطن وعزته. يمضي في خدمة البلاد بعينٍ على حاضرها وعينٍ على غدها، يسهر لتبقى الرايات مرفوعة، وتبقى هذه الأرض حصنًا للإسلام ودارًا للسلام.
إن القيادة التي ترعى الأمن بعينٍ ساهرة وتشد أزر جنودها بالدعم والثقة هي التي تصنع للأوطان استقرارها وتكتب لها دوام العزة.
وما كان لأولئك المرابطين أن يقفوا بتلك العزيمة الراسخة لولا قيادة تعرف قدرهم وتحيطهم برعايتها وتقدر تضحياتهم، فتجعلهم درعًا للوطن وسورًا يحوط حدوده. فبوركت قيادة جعلت همها أمن البلاد وراحة العباد، وبورك ملك وولي عهد حملا أمانة هذه الأرض المباركة بعزم صادق وإخلاص ظاهر.
نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، وأن يمدهما بعونه وتوفيقه، وأن يديم على هذه البلاد قيادتها الحكيمة التي تسهر ليبقى الوطن آمنًا مطمئنًا. فيا أبناء هذا الوطن، إذا أردتم أن تعرفوا معنى الأمن فانظروا إلى أولئك الرجال الذين يبيتون على الحدود ساهرين بينما تنام البيوت آمنة، وإذا أردتم أن تعرفوا معنى الوفاء فانظروا إلى من جعلوا أرواحهم عهدًا أن تبقى هذه البلاد دار سلام وسكينة. إن خلف كل ليلة هادئة في هذا الوطن رجالًا يقفون في صمت، وخلف كل فجر آمن قلوبًا رابطت لتبقى البلاد شامخة لا تنحني.
ويا حماة الثغور، لكم منا دعاء يخرج من أعماق القلوب قبل أن تجري به الألسنة:
اللهم احفظ جنودنا المرابطين، اللهم اربط على قلوبهم وثبت أقدامهم وسدد رميهم، اللهم كن لهم عونًا ونصيرًا واحفظهم بعينك التي لا تنام. اللهم كما جعلتهم حراسًا لهذه الأرض فاجعلهم في حفظك الذي لا يضيع. اللهم احفظ قيادتنا، وأدم على وطننا وسائر بلاد المسلمين نعمة الأمن والأمان، واجعل هذه البلاد حصنًا للإسلام ودارًا للعزة وموطنًا للطمأنينة.
وسيظل هذا الوطن شامخًا ما دام فيه رجال يعرفون معنى الحراسة، ويؤمنون أن الأرض التي تُحرس بالوفاء لا تؤخذ، وأن الأوطان التي يقف على ثغورها الأوفياء لا تسقط.
فهنيئًا لكم أيها المرابطون؛ فأنتم درع البلاد، وسياج الأمة، وحكاية المجد التي لا تنتهي.