فاطمة الجباري
كان الضوء قديمًا يتسلّل إلى البيوت كما لو أنه يستأذن الجدران..
فانوس صغير في زاوية المجلس، يُضاء على استحياء، كأن الفرح يحتاج إلى تبرير، وكأن البهجة تهمة تُخفى لا نعمة تُعلن.
لم تكن المشكلة في الفانوس، ولا في الزينة، ولا حتى في مظاهر الاحتفاء بالموسم الكريم..
بل في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، حين تشابكت العادة بالعبادة، وارتبك الناس بين ما هو دينٌ ثابت، وما هو ثقافةٌ تتجدد.
مرت سنوات ما عُرف بمرحلة الصحوة، حيث غلبت النبرة الوعظية على تفاصيل الحياة، وأصبح الفرح موضع سؤال، والاحتفال موضع ريبة، وكأن التقوى لا تكتمل إلا بتقليل الألوان وخفض الأصوات وإطفاء المصابيح.
لكن الوطن الذي تأسس على الوسطية لم يكن ليبقى أسير مرحلة.
ومع التحولات الكبرى التي شهدتها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، عاد الضوء إلى مكانه الطبيعي..
ليس بوصفه ترفًا، بل تعبيرًا عن هوية.
وليس كخروجٍ على الدين، بل كاستعادةٍ لفهمه الصحيح.
اليوم، حين تتلألأ الشوارع في المملكة العربية السعودية بعقود الضياء، وحين تتزيَّن البيوت بفوانيس رمضان، فإن المشهد لا يقول: «نحن نبتدع»،
بل يقول: «نحن نحتفي».
نحتفي بشهرٍ اختاره الله موسمًا للرحمة، لا موسمًا للكآبة.
موسمًا للسكينة، لا للانكماش.
رمضان في السعودية لم يكن يومًا مجرد طقسٍ عابر.
هو رائحة الهيل عند أذان المغرب،
وصوت المآذن المتعاقب،
وأطفال ينتظرون صلاة التراويح بملابسهم الجديدة،
وأمهات يوزعن التمر بمحبة،
وبيوت تفتح أبوابها قبل أن تفتح موائدها.
الضوء الذي يُعلّق اليوم على الواجهات ليس مصباحًا كهربائيًا فحسب،
بل إعلانًا رمزيًا أن هذا الوطن اختار الحياة،
واختار الفرح المسؤول،
واختار أن يفهم دينه بعيدًا عن الغلو، وقريبًا من الرحمة.
لقد أدركنا أن العبادة خشوعٌ في القلب، لا عتمةٌ في الشارع.
وأن الزينة لا تناقض التقوى، بل قد تكون امتدادًا لشكر النعمة.
فالقلوب المضيئة لا تخاف من المصابيح،
والإيمان الواثق لا يرتجف أمام الألوان.
حين نعلّق الفوانيس اليوم، لا نعتذر.
وحين تشرق الواجهات بالأنوار، لا نتوجس.
نحن فقط نقول للعالم:
هذا رمضاننا..
وهذا وطنٌ تعلّم أن يضيء دون خوف،
وأن يفرح دون وصاية،
وأن يجعل من الضوء رسالة:
أن البهجة لا تعارض الإيمان، بل تكمّله.