د. رانيا القرعاوي
إذا كانت المملكة قد أعلنت 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي في إطار تسريع التحول الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030، فإن السؤال عن كيفية تحويلها إلى وعي مجتمعي حيّ يتفاعل معه المجتمع ويصبح جزءًا من الحياة اليومية.
العالم مرّ خلال القرنين الماضيين بتحولات اقتصادية متعاقبة. بدأ بالاقتصاد الزراعي، ثم انتقل إلى الاقتصاد الصناعي، حيث كانت المصانع ورأس المال المادي محرك النمو. ومع نهاية القرن العشرين بدأ التحول نحو اقتصاد المعرفة، حيث أصبحت البيانات والابتكار والتقنية عوامل الإنتاج الأكثر تأثيرًا. وفي هذه المرحلة يمثِّل الذكاء الاصطناعي إحدى أهم أدوات الاقتصاد الجديد، لأنه لا يكتفي بجمع البيانات، بل يحولها إلى قرارات وخدمات ومنتجات.
المملكة تتحرك في هذا الاتجاه ضمن مسار رؤية السعودية 2030 التي تركز على تنويع الاقتصاد وتعزيز القطاعات غير النفطية. ويعكس اعتماد ميزانية عام 2026 هذا التحول الاقتصادي؛ إذ أقر مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء المصروفات العامة للعام 2026 بنحو 1312.8 مليار ريال، فيما قُدرت الإيرادات العامة بنحو 1147.4 مليار ريال بعجز متوقع يبلغ 165.4 مليار ريال.
كما تظهر الأرقام مقارنة ميزانية 2025 التي قُدرت إيراداتها بنحو 1091 مليار ريال، فيما بلغت المصروفات 1336 مليار ريال بعجز قدره 245 مليار ريال. وتشير هذه المؤشرات إلى استمرار الدولة في ضخ استثمارات كبيرة لدعم التحول الاقتصادي وبناء قطاعات جديدة قادرة على قيادة النمو في المستقبل.
ويأتي إعلان 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي بوصفه جزءًا من هذا التحول نحو اقتصاد المعرفة. فقد استثمرت المملكة خلال السنوات الماضية في بناء البنية التحتية الرقمية وتطوير الكفاءات البشرية، حيث تم تدريب آلاف المتخصصين في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنشاء منصات بيانات وطنية ومراكز بيانات متقدمة لدعم الاقتصاد الرقمي.
لكن التجارب الدولية تشير إلى أن التحول نحو اقتصاد المعرفة يعتمد على مستوى الوعي المجتمعي بها، إلى جانب الاستثمار في التقنية. فالتقنيات المتقدمة لا تحقق أثرها الحقيقي إذا بقيت مفاهيمها محصورة في المؤسسات المتخصصة، بل تحتاج إلى فهم أوسع لدى المجتمع. ويتضح هنا دور الإعلام. فالإعلام السنع لا يكتفي بنقل القرارات الكبرى بوصفها أخبارًا عابرة، بل يحولها إلى معرفة مفهومة للجمهور. فعام الذكاء الاصطناعي ليس مجرد شعار أو مبادرة مؤسسية، بل فرصة لبناء ثقافة تقنية جديدة تدرك دور البيانات والذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والاقتصاد والخدمات.
الإعلام قادر على تبسيط المفاهيم التقنية وتحويلها إلى قصص واقعية يفهمها الجمهور. عندما يرى الناس كيف تسهم التقنيات الذكية في تحسين الخدمات الحكومية أو دعم الشركات الناشئة أو تطوير التعليم، تتحول التقنية من مصطلح تقني إلى تجربة ملموسة في الحياة اليومية.
الإعلان أيضًا يلعب دورًا مهمًا في هذه المرحلة. ففي الاقتصادات الحديثة لم يعد الإعلان مجرد أداة للترويج التجاري، بل أصبح وسيلة لبناء الوعي العام. ويمكن للحملات الإعلامية أن تقدم نماذج واقعية للكفاءات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، وأن تشرح ببساطة كيف يمكن للتقنيات المتقدمة أن تسهم في تحسين جودة الحياة وتنويع الاقتصاد.
إن التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد المعرفة يعتمد على منظومة متكاملة تشمل الاستثمار في التقنية، وبناء الكفاءات البشرية، وتعزيز الوعي المجتمعي. وفي هذه المنظومة يصبح الإعلام شريكًا في صناعة التحول، لأنه يربط بين السياسات الكبرى وفهم المجتمع لها.
عام الذكاء الاصطناعي خطوة مهمة في هذا المسار، وسوف تظهر قيمته الحقيقية عندما يتحول إلى قصة يفهمها المجتمع ويشارك فيها. فاقتصاد المعرفة لا يُبنى بالتقنية ولكن بوعي.