نجلاء العتيبي
في ساعات السحر حين تخفُّ حركة المدينة، وتنسحب الأضواء الكبيرة، تظهر الطُّرُقات في صورة لا يعرفها النهار، وقت السحور لحظة فاصلة يتباطأ فيها الإيقاع، ويجد الإنسان مساحة صافية للانتباه إلى سكون الليل، وما يتركه في الداخل.
فالهدوء هنا ليس فراغًا، بل هو حضور مختلف، الظلال تستقرُّ، والضوء الخافت يحدد المسافات دون أن يفرض نفسه، الطريق لا يدعو إلى العجلة، وكل خطوة تُستقبل بوعي بسيط لا يحتاج تفسيرًا، تتراجع الأصوات المعتادة، وتبقى إشارات الليل الخفيفة: حركة ريح، أثر ورقة، خطوات متباعدة، تفاصيل قليلة تكفي لتهيئة النفس، ولإعادة العلاقة مع الزمن إلى حالتها الأولى دون ضغطٍ أو استعجالٍ.
أتذكَّر السحور في مدينة الطائف؛ حيث للهدوء طابعٌ خاصٌّ، فالجبال تحيط بالمكان، والنسيم البارد يمنح الشوارع طُمأنينة إضافية، الأزقَّة أقربُ، والضوء أكثر تحفظًا، والمشهد كله يبدو متماسكًا لا يحتاج إضافةً ولا شرحًا.
المشي في هذا الوقت يمنح شعورًا بالخصوصية، فالطريق ممتدٌّ بهدوء، والزمن أقل ثقلًا حتى الحركة النادرة لا تكسر السكون، بل تؤكد بطء اللحظة وفرادتها. في السحور يخفُّ ثقل العادة، ويصبح الفعل اليومي بسيطًا ومقصودًا، الإنسان يشهد الزمن كما هو، في هدوء يسبق الفجر وتسليم لما قُدّر له، ومع هذا الشهود ينهض شكرٌ لله على نعمٍ حاضرةٍ تُدرَك في صفاء اللحظة.
الطرقات الهادئة تعكس الداخل دون ادّعاءٍ، فالظل والضوء والحركة الخفيفة تترك المعنى يتشكَّل وحده، لا حاجة للكثرة، فالبساطة هنا كافية، وعند اقتراب الفجر لا ينكسر السكون، الليل ينسحب بهدوءٍ، والمدينة تستعدُّ ليومٍ جديدٍ، يخرج الإنسان من هذه اللحظات أخفَّ، وأكثر انتباهًا لقيمة الوقت، وأكثر قربًا من السكينة. هكذا يمرُّ وقت السحور في رمضان، لحظة صافية، وشكر لله، واستعداد هادئ ليوم يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الطرقات.
ضوء
«وقتُ السحر فاصلةٌ هادئةٌ بين نعمتينِ، يخفُّ الأثر، ويتسع الإدراك، وتستقيم الروح على بساطتها. لحظة لا تتكاثر فيها الكلمات،
ويكفي فيها حمدٌ صادقٌ؛ ليضيء ما قبل الفجر».