د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في الصورة التقليدية للتعليم العالي، تبدأ علاقة الطالب بالجامعة عند القبول. لكن بعض الجامعات اختارت أن تبدأ علاقتها بالطالب قبل ذلك بسنوات.
تخيلوا معي هذا المشهد:
طالب في الخامسة عشرة من عمره يعبر بوابة جامعة بحثية متقدمة. لا يحمل بطاقة طالب جامعي، ولا ينتظر محاضرة في قاعة دراسية، بل يدخل إلى مختبر بحثي متطور، يرتدي المعطف الأبيض، ويقف إلى جانب أحد الباحثين في الجامعة يشرح له تجربة علمية متقدمة. في تلك اللحظة سيكتشف أن العلم ليس محصوراً في الكتب المدرسية، بل هو عالم متكامل يمكن أن يكون هو جزءاً منه يوماً ما.
قد يبدو هذا المشهد غير مألوف في الصورة التقليدية للجامعة، حيث يبدأ ارتباط الطالب بالمؤسسة التعليمية بعد التخرج من المدرسة. لكن هذا المشهد يقودنا إلى سؤال أبعد: متى يبدأ دور الجامعة تجاه الطالب؟
هل يبدأ عندما يعبر بوابة الحرم الجامعي لأول مرة؟ أم عندما تصله رسالة القبول؟ أم ربما في لحظة أبكر من ذلك بكثير... حين يتصفح الطالب موقع الجامعة للمرة الأولى، أو يتوقف عند حساباتها الرقمية في وسائل التواصل، فيكتشف عالماً من الفرص العلمية لم يكن يتخيله؟
في تجربة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) يبدو أن الإجابة مختلفة قليلاً.
في كاوست يمكن أن تبدأ الرحلة من معسكر علمي أو منافسة رياضيات أو برنامج إثراء صيفي، ثم تتطور إلى تدريب بحثي داخل مختبر حقيقي، ثم ابتعاث لأفضل جامعات العالم، ثم عودة باحث يقود مشروعاً علمياً داخل المملكة. هذه ليست برامج منفصلة، بل سلسلة مترابطة ما يمكن وصفها بـ (خط إنتاج العلماء).
ويتجلى هذا التوجه في منظومة من البرامج التي تبدأ مبكرًا مع طلبة المدارس، مثل معهد كاوست للبحوث العلمية لطلبة المدارس ومسابقة كاوست للرياضيات، مرورًا بـ أكاديمية كاوست التي تتيح التخصص المبكر في مجالات المستقبل، وصولاً إلى برنامج الطالب الزائر للبحث العلمي وبرامج التدريب الصيفي التي تمنح طلاب الجامعات فرصة العمل داخل مختبرات الجامعة إلى جانب الباحثين، وهكذا تتشكل سلسلة متصلة من الفرص العلمية، تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند حدود الجامعة.
ولكي أكون منصفة مع القارئ، لا أريد أن يُفهم من هذا المقال أنني أقلل من باقي جامعات المملكة التي أعتز بتاريخها العريق ودورها العلمي والوطني. غير أن للكتابة أمانتها، وللفكرة الجيدة سحرها الذي يصعب تجاهله. فعندما ينجح نموذج ما في استمالة القلم والعقل معاً، يصبح من الإنصاف الإشارة إليه، لا مجاملةً لأصحابه، بل احتراماً للفكرة التي يحملها وما يمكن أن تلهمه لباقي الجامعات.
ولهذا وجدت نفسي أتأمل تجربة كاوست، ليس فقط بوصفها جامعة دراسات عليا، بل بوصفها نموذجاً مختلفاً في الطريقة التي تفكر بها الجامعة في علاقتها بالطالب، وفي توقيت بداية هذا الدور.
فكاوست، على الرغم من كونها جامعة للدراسات العليا، لا تنتظر الطالب حتى يصل إليها حاملاً درجة البكالوريوس، كما هو الحال في معظم الجامعات البحثية، بل تذهب إليه مبكراً؛ إلى المدارس، إلى المعسكرات العلمية، إلى المسابقات والأبحاث الصيفية، بل وحتى تتكفل بابتعاث الطلبة النابغين إلى الجامعات المرموقة عالميا في برنامجها للطلبة الموهوبين.
كما تقوم هذه المنظومة على اكتشاف المواهب العلمية وبنائها في تخصصات المستقبل مثل الطاقة المتجددة والبيئة والاستدامة والتقنية الحيوية والذكاء الاصطناعي وعلوم المواد، وهي مجالات تعكس توجه الجامعة نحو العلوم التي تصنع اقتصاد المعرفة.
وإذا أمعنا النظر في جانب آخر من هذه التجربة سنجد بعداً مختلفاً يستحق التوقف. فبينما تقدم بعض الجامعات برامجها التدريبية والإثرائية لطلبة المدارس او الجامعات بمقابل مادي بوصفها أحد مصادر الدخل المؤسسي، تقدم كاوست هذه البرامج مجاناً إيماناً بمسؤوليتها الوطنية تجاه اكتشاف المواهب العلمية وصقلها مبكراً.
كاوست التي تأسست عام 2009 برؤية الملك عبدالله بن عبدالعزيز (رحمه الله) استطاعت خلال سنوات قليلة أن تحجز لنفسها مكانة متقدمة في التصنيفات الدولية، وأن تتصدر الجامعات العربية في تصنيف Times Higher Education لعدة سنوات متتالية، إضافة إلى حضورها القوي في تصنيفات التخصصات العلمية والتأثير البحثي عالمياً.
ولهذا تبدو كاوست اليوم، رغم حداثة عمرها بين الجامعات، تجربة اختصرت الطريق إلى المستقبل عبر الاستثمار المبكر في صناعة العلماء.
** **
الأستاذ المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز - مهتمة بقضايا التعليم العالي واقتصاد المعرفة