د.عبدالله بن موسى الطاير
كنت كل يوم أسجل ساعتين من بث هيئة الإذاعة البريطانية في تغطيتها لاحتلال الكويت وحرب تحريره، أوجعتني جدا بعض المظاهرات العربية التي تنشد بالكيماوي بالكيماوي يا صدام من البصرة إلى الدمام. ربما قلت عواما ألّبتهم الدعاية المضللة، لكني لم أجد عذرا لبعض النخب من سياسيين ومثقفين شاركوا في الشماتة والتشفي ونثر الأماني باجتياح صدام دول الخليج. بعد 35 سنة يتكرر المشهد، لكنه لا يؤلمني كثيرا بعد أن خبرت الدنيا والأحداث ومعادن الناس.
العداء لدول الخليج ليس مجرد سذاجة سياسية، بل تعبير عن اضطراب بنيوي عميق في منظومة الوعي السياسي لدى شريحة من المثقفين العرب. حالة من التنافر بين معتقدين متناقضين، تديرهما آلية نفسية تعزل كل منهما عن الآخر.
الخطاب الشامت بدول الخليج لا يجهل أن ملايين العرب يعيشون ويبنون مستقبلهم فيها، ربما هم أو بعض أقاربهم أيضا، لكنه يفصل بين الحقيقة المادية والهوية الأيديولوجية، ويرى في هذا الفرز ما يشبه النبل؛ فالهوية الإيديولوجية مقدمة على غيرها.
هذه القناعة المنحرفة هي منتج ثقافي متماسك وراسخ له جذوره التاريخية، فالثقافة العربية الكلاسيكية ثقافة شفاهية خطابية في جوهرها؛ كان الشعر ديوان العرب، والخطيب سيد القبيلة، والكلمة سلاحا، وسلطة، وذاكرة.
حين تشكلت الدولة الحديثة ورثت هذه الثقافة الخطابية ولم تتجاوزها، فلم تُستبدَل الكلمة بالمنجز، بل اعتبر المنجز ملحقا ثانويا للشعار. ومن هنا، صار الزعيم الخالد هو البارع في الخطاب، لا المتمكن في الحكم الرشيد. لذا خلد التاريخ الثقافي ساسة مأساويون في حكمهم لأنه احتفظ بالخطب ودفن الهزائم.
أتت لاحقا حقبة الاستعمار الغربي الذي جرح الوعي العربي الحديث، فخلف نظرة ثنائية صارمة لا تُناقش، بل تُستحضر وهي “المقاوم في مقابل الخائن»، ومن داخل هذه البنية، فإن أي دولة عربية تتعامل بواقعية مع الغرب تصبح تلقائيا في خانة «العميل»، بصرف النظر عن إنجازاتها. وأي نظام يهاجم الغرب علنا، حتى وإن بات معه ليلا في فراش واحد، يتربع على عرش المقاومة. ومفارقة الحالة الراهنة تكشف هذه الثنائية بجلاء؛ إيران ليست عربية، ولا تخدم مصالح عربية، بل دمرت دولا عربية مباشرة وبالوكالة. لكن لأنها تعلن خطاب المواجهة مع أمريكا، تُدرج تلقائيا في خانة «المقاوم» في تجاوز صريح لكل اعتبارات القومية العربية التي يدّعي هؤلاء المثقفون الانتماء إليها.
هزيمة 1967م لم تكن هزيمة جيش فحسب، بل دمرت مشروع القومية العربية. ولأن الاعتراف بهذا الانهيار كان يعني تداعي الهوية الذاتية لجيل بأكمله، فقد حول العقل القومي العربي الهزيمة الكبرى إلى مرحلة في مسيرة النضال، والمهزوم إلى شهيد، والكارثة إلى اختبار مؤقت؛ وهذه الآلية تفسر استمرار التقديس رغم الهزائم، والخسارة، والفوضى، والتدمير الممنهج لبعض الدول العربية. بتداعي أركان المشروع القومي العربي، وتراجع الاشتراكية، وفشل تجارب البعث نشأ فراغ أيديولوجي هائل، ملأت جزءاً منه الثورة الخمينية بخطاب يجمع بين الإسلاموية والمظلومية وخطاب المواجهة مع قوى الاستكبار، وبرفعها راية القضية الفلسطينية وتقديمها إجابات عاطفية لأسئلة وجودية عميقة وحائرة، ابتاعت إيران مكانة رمزية في وعي بعض العرب بثمن بخس جداً.
الكرامة المتخيَّلة أقوى من شرعية المنجز، وشعارات المقاومة والوحدة والاشتراكية، وتوزيع الفتات على الولاء، وتدمير مؤسسات الدولة على المدى البعيد، تستحضر في وعي بعض العرب كنماذج للكرامة، لأنها في هذا الوعي لا تُقاس بما بُني للإنسان، بل بما صنع ضد العدو ولو كان مجرد رشقات خطابية.
منذ انبثاق الثروة في الخليج تحولت إلى تهمة أخلاقية، افترتها «الرومانسية الفقيرة»، التي ربطت الأصالة والنبل بالمعاناة، بينما عُدت الثروة علامة على الدعة والتبعية. السؤال الذي يتردد في الصدور: كيف أصبحتم أثرياء دون أن تُقاوموا؟ مع أن المقاومة بلا تنمية كانت أقصر وأسرع طريق إلى التخلف والهزائم المتوالية.
في سياق توصيف ما يجري، لا تحدثني عن الاستعلاء الثقافي، الذي لا يقال صراحة لكنه يستتر خلف كل شتيمة موجهة للخليج، ويُحوّل كل سانحة سياسية إلى ازدراء حضاري متبوعا بدعاوى حول الثروة تتجاهل نجاح الخليج في إدارة الثروة سياسية وتنموية لم يتقنها كثيرون غيرهم. شيدت دول الخليج نماذج تنموية استثنائية بالمقاييس الدولية، وكانت هذه الإنجازات بالتحالف مع الغرب والشرق، وهذا بالذات ما يجعل هضمها عسيرا على المؤدلجين.
يتحدث هؤلاء المثقفون عن أمريكا بوصفها الشيطان الأكبر، ويُطالبون بقطع العلاقات معها، ويُصفّقون لكل من يشتمها، لكن أبناءهم يدرسون في جامعاتها، ومدخراتهم في بنوكها، وعلاجهم في مستشفياتها، كما يفعلون تماما مع دول الخليج. هذه الازدواجية ليست غريبة ولا حكراً على العرب فكثير من اليسار الغربي يعيش أزمة مماثلة في علاقته بالرأسمالية التي ينتقدها، لكنها في السياق العربي أكثر حدة وجاذبية. شتم الخليج صار غاية في حد ذاته، وحين يصبح الشتم هو السياسة تستمر دول الخليج في النماء وهم في الرواح والغدو بين عدو لا يستغنون عنه، وخطاب لا يُغني عنهم شيئا.
مدرسة الفكر القومي، والتيارات البعثية، ومراكز الفكر السياسي الإسلامي بنت منظومات متكاملة تُقدم قراءتها للتاريخ وتقترح مقاييسها للشرعية، منذ وقت طويل، بينما لم تُقدم دول الخليج بديلا وتصبر عليه. هذا الفارق أتاح لمنظومة الفكر المعادية أن تُعلّم أجيالا بأكملها، بمن فيهم أبناء الخليج، معايير معادية في نهاية المطاف لهذه الدول الصاعدة بقوة.
الكرامة الحقيقية ليست شعورا ينتجه الخطاب البليغ، فدولة تُطعم مواطنيها وتُعلمهم وتحترم إنسانيتهم أكرم، حتى لو تحالفت مع الغرب، من كيانات تُجوّع شعوبها وتقمع مواطنيها وتُدمّر جيرانها وهي تهتف للحرية والممانعة. وما بُني في دول الخليج لم يُبنَ في غيرها رغم أن لهذا الغير من الموارد البشرية والطبيعية ما يفوق الخليج أضعافاً. والسبب واضح وحتمي يتمثل في اختلاف الأولويات، فالخليج أولى الإنسان عنايته، والقوميون أولوا الشعارات اهتمامهم.