د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
يشكل مضيق هرمز ركيزة محورية لأمن الطاقة العالمي، ووفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عام 2024 من أن المضيق يستوعب ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، وما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يوميا، تصدر السعودية نحو 37.2% ثم العراق 22.3% فالإمارات بنحو 12.9%، ايران، 10.6%، الكويت 10.1% فقطر 4.4%، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ونحو 86% من صادرات نفط الشرق الأوسط تمر بشواطئ جزر المضيق.
ما يشكل نصف الطاقة التي تعتمد عليها صناعة العالم واقتصاده وفق دراسة لخبراء الاقتصاد والسياسة في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في جامعة تاون الأمريكية، ويمر عبر المضيق 11% من التجارة العالمية، بما يشمل 34% من صادرات النفط المنقولة بحرا، و30% من صادرات الغاز المسال، وفق تقدير تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2025، ونحو 83% من تدفقات الطاقة عبر المضيق عام 2024 اتجهت إلى آسيا، وكانت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية أبرز الوجهات، ما يجعل هذه الأسواق الأكثر عرضة لتداعيات أي انقطاع في الإمدادات.
لا يقتصر دور المضيق على كونه ممرا ملاحيا، بل ارتبط تاريخيا بالصراعات الكبرى في المنطقة، ويستمد زخمه منذ آلاف السنين، بتعاقب سيطرة حضارات عديدة عليه، باعتباره معبرا لقوافل سفنها التجارية والحربية، مثل الحضارة السومرية والبابلية، والفارسية، والإغريقية، والفينيقية، والإسلامية، وبرزت أوجه الازدهار في المضيق في فترة الحكم العباسي، وحاول العثمانيون دحر البرتغاليين والسيطرة على المضيق في عام 1552، لكنها باءت بالفشل، بينما نجح الشاه الإيراني عباس الأول عام 1662 بالتحالف مع الإنجليز والتغلب على البرتغاليين وإعادة السيطرة على المضيق، فيما سعت بريطانيا إلى بسط نفوذها بالتدرج بين القرنين الـ18 والـ19 لمنع التوسع الفرنسي في المنطقة ولتوطيد النفوذ البريطاني على الخليج العربي ومضيق هرمز الذي استمر حتى 1971، وتحول منذ الثمانينيات من القرن الماضي إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح والصراعات الإقليمية والدولية.
بحكم موقع المضيق المداري فإن ظروفه المناخية تجعله صالحا للملاحة طوال العام، يبلغ طول المضيق 167 كلم، ويتراوح عرضه بين 33 و 95 كلم، بينما يصل عمقه ما بين 60 و 100 متر، تنتشر فيه عدد من الجزر، يتبع بعضها لإيران مثل قشم، هرمز، لارك، هنجام، في حين تقع جزر أخرى تحت الإدارة العمانية من أبرزها مجموعة جزر سلامة، وجزيرة الغنم، إضافة إلى شبه جزيرة مسندم التي تشكل الامتداد العماني المطل على المضيق، وتتحكم بمدخل المضيق الشمالي 4 جزر هي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى الإماراتية المحتلة من قبل إيران عام 1971، بجانب جزيرة الفارور الإيرانية. يتميز المضيق بأهمية اقتصادية واستراتيجية بارزة على الصعيدين الإقليمي والدولي، باعتباره أحد أهم نقاط العبور الرئيسية، وإقليميا يمثل المضيق الممر البحري الوحيد الذي يربط قطر والبحرين والعراق والكويت بطرق الملاحة والتجارة الدولية، وبوابة رئيسية للإمارات والسعودية وسلطنة عمان وإيران.
يدخل مضيق هرمز في نطاق المضايق الدولية استنادا إلى المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة، لقانون البحار لعام 1982، يخضع المرور فيه دون إعاقة طبقا للمادة 80 من الاتفاقية، فقط السفن والطائرات الحربية التي يشترط لمرورها الإذن المسبق من إيران وعمان، وعندما طالبت إيران بالإشراف على مضيق هرمز قوبل طلبها بالرفض في المؤتمرات: الأول والثاني والثالث لقانون البحار في جنيف أثناء الفترة من 1958 إلى 1960 ثم عام 1980.
شهد المضيق في 1984 حرب الناقلات بين العراق وإيران إلى ان تدخلت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية لضمان تأمين الملاحة في الخليج، مرت أول قافلة بحرية عام 1987 اصطدمت ناقلة كويتية بألغام إيرانية، مما دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في المضيق، وهاجمت سفينة إيرانية أثناء زرعها الألغام وأغرقتها، وفي 1988 شنت الولايات المتحدة عملية عسكرية عرفت باسم فرس النبي اسفرت عن تدمير سفن حربية إيرانية، وفي كل أزمة تهدد إيران بغلق المضيق، في 1992، 2007، وأثناء الصراع الإسرائيلي الإيراني في يونيو 2025، وعاد التوتر إلى الواجهة مطلع فبراير 2026. فهل يتشكل تحالف دولي لضمان امن الملاحة في مضيق هرمز في ظل مواصلة إيران تحدي أمريكا في صراع الحرب والنفط، هناك سيناريوهات أوروبية لتشكيل مهمة لمواكبة لعبور مضيق هرمز، وفرنسا مؤهلة لقيادتها ومستعدة لتعبئة 12 قطعة بحرية بينها حاملة طائرات تعمل بالدفع النووي، خصوصا وأن الأوروبيين يشعرون بالتهميش، إذ لم تستشرهم الإدارة الأميركية أو تطلعهم على خططها الحربية ضد إيران، كما لم تضعهم لاحقا في صورة مخططاتها وأهدافها، خصوصا وأن الأوروبيين معنيون بهذه الحرب وتبعاتها، إذ تربطهم بالمنطقة الخليجية علاقات ومصالح على مختلف المستويات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية التجارية، وخصوصا قطاع الطاقة.
وكما صرح الرئيس الفرنسي ماكرون بأن هدف الأوروبيين هو الحفاظ على موقف دفاعي بحت، وفرنسا مستعدة إرسال 80% من قوتها البحرية إلى مناطق الاشتباك، واستعداد الاتحاد الأوروبي للتكيف وزيادة تعزيز مهمات الاسناد البحري في إشارة إلى دور التحالف الدولي، ومن هذه الدول المرشحة للانضمام إلى هذه القوة إضافة إلى الدول المشاركة في مهمة اسبيدس ألمانيا وهولندا وبلجيكا والدنمارك والبرتغال والنرويج وإسبانيا، ويرجح أن تتولى فرنسا قيادة هذه القوة، ولن تمتنع هذه القوة عن الرد إذا تعرضت لاعتداءات من الجانب الإيراني، لكن يربط الأوروبيون مهامهم بانحسار المعارك والاشتباكات بهدف تقليص احتمالات اللجوء إلى السلاح، لكنهم لا يستطيعون الانتظار طويلا نظرا للتبعات الخطيرة لوقف تدفق النفط والغاز على اقتصاداتهم.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا