خالد آل دغيم
في عالم يتسابق نحو تحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة حياة الإنسان، لم تعد المبادرات المجتمعية خياراً إضافياً، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحديثة، ومؤشراً حقيقياً على قدرة الدول والمناطق على تحويل الرؤى إلى واقع ملموس يلامس حياة الناس.
لم تعد المبادرات المجتمعية اليوم مجرد أنشطة موسمية أو برامج تطوعية عابرة، بل أصبحت أدوات استراتيجية تسهم في بناء المجتمعات وتعزيز جودة الحياة وتحقيق التنمية المستدامة. وفي المملكة العربية السعودية، تتجلى هذه الرؤية بوضوح من خلال المبادرات التنموية التي تنطلق من رؤية وطنية طموحة وتنسجم في الوقت ذاته مع الأهداف العالمية للتنمية.
وتبرز مبادرة أجاويد 4 في منطقة عسير كواحدة من هذه المبادرات النوعية التي تعكس هذا التكامل، حيث تتوافق أهدافها مع 13 هدفاً من أصل 17 هدفاً من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي أقرت عام 2015 ضمن أجندة التنمية العالمية 2030. وهو ما يؤكد أن المبادرات المحلية قادرة على الإسهام في تحقيق أهداف التنمية وتقديم نموذج عالمي عندما تُبنى على رؤية واضحة وتخطيط استراتيجي ومشاركة مجتمعية فاعلة.
تأتي هذه المبادرة في سياق التحول التنموي الكبير الذي تشهده منطقة عسير ضمن استراتيجيتها الطموحة، التي تُعد من أوائل الاستراتيجيات المناطقية المتكاملة في المملكة، والتي رسم ملامحها سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- حين وجّه بأن تكون عسير وجهة عالمية طوال العام. واليوم تتجلى بوادر هذه الرؤية في العديد من المبادرات والمشروعات التي تعزز مكانة المنطقة اقتصادياً وسياحياً وثقافياً، وتدعم جودة الحياة لسكانها وزوارها.
وتنطلق أجاويد 4 من ستة مسارات تنموية متوازية تشمل:
• الوجهات السياحية
• الاستثمار
• التنمية المجتمعية
• الثقافة والتراث
• الاستدامة البيئية
• التصميم الحضري
وهي مسارات تعكس شمولية الرؤية التنموية، حيث تجمع بين الاقتصاد والثقافة والبيئة والمجتمع، إلى جانب ركائز أساسية تعزز المشاركة المجتمعية والابتكار في الحلول التنموية بما يضمن استدامة الأثر واتساع نطاق الفائدة.
ومن خلال هذه المسارات، تتقاطع أهداف المبادرة مع عدد من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ومنها:
1 - تمكين الأفراد اقتصادياً من خلال دعم المشاريع المجتمعية.
2 - تعزيز التكافل الاجتماعي والأمن الغذائي.
3 - دعم الأنشطة الصحية والاجتماعية التي تعزز جودة الحياة.
4 - تطوير البرامج التدريبية والتوعوية لتنمية المهارات والمعرفة.
5 - تمكين المرأة وإشراكها في العمل التطوعي والمجتمعي.
6 - تعزيز برامج الاستدامة البيئية والمحافظة على الموارد.
7 - دعم المبادرات المرتبطة بالطاقة النظيفة والمستدامة.
8 - تنشيط الاستثمار وتمكين رواد الأعمال.
9 - تشجيع الابتكار في التصميم الحضري والمشروعات المجتمعية.
10 - تعزيز الشمولية وإشراك جميع فئات المجتمع.
11 - تطوير الوجهات السياحية والتخطيط الحضري المستدام.
12 - نشر ثقافة الاستدامة والوعي البيئي والثقافي.
13 - دعم المبادرات البيئية التي تحافظ على الموارد الطبيعية.
إن توافق أجاويد 4 مع هذا العدد الكبير من أهداف التنمية المستدامة يعكس عمق الرؤية التي تقف خلفها، ويؤكد أن العمل المجتمعي عندما يُدار بمنهجية استراتيجية يمكن أن يتحول إلى أداة حقيقية للتنمية الشاملة وأثر اقتصادي يقاس بالأرقام.
كما أن هذه المبادرة تمثل مثالاً واضحاً على كيف يمكن للمبادرات المحلية أن تكون جزءاً من منظومة التنمية العالمية، وأن تسهم في تحقيق أهدافها من خلال تعزيز المشاركة المجتمعية، دعم الابتكار، وبناء شراكات تنموية فاعلة.
ولا شك أن ما تشهده منطقة عسير اليوم من حراك تنموي ومجتمعي يعكس جهوداً متواصلة يقودها صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير، الذي جعل من المبادرات المجتمعية أحد محركات التنمية في المنطقة، وساهم في تحويل الأفكار إلى برامج ومبادرات تلامس المجتمع وتحقق أثراً ملموساً في حياة الناس.
إن أجاويد 4 ليست مجرد مبادرة مجتمعية، بل هي نموذج تنموي يعكس روح المرحلة، ويجسد التلاقي بين رؤية المملكة الطموحة وأهداف التنمية المستدامة العالمية، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر ازدهاراً واستدامة.
** **
- رئيس الجمعية السعودية للإعلام السياحي