باسم سلامة القليطي
في هذه الأيام المباركة، حين يلين القلب وتقترب الروح من بارئها، يجد الإنسان نفسه عائداً إلى الدعاء بلا تكلف. كأن الفطرة توقظه من غفلة الأيام، فيرفع يديه تلقائياً، ويقول: يا رب. نحن ندعو الله في كل وقت، لكن في هذه الأيام يزداد الشعور بالحاجة إليه، فنكثر من الدعاء في أوقات الإجابة، في الأسحار، وبين الأذان والإقامة، وعند الإفطار، وفي لحظات السكون التي لا يسمع فيها الإنسان إلا نبض قلبه.
نشتكي إليه همومنا، ونبث له أسرارنا، ونحدّثه بما لا نستطيع أن نقوله لأحد من الناس. وليس في هذا عجب، فالله سبحانه يعلم أحوالنا قبل أن نتكلم، ويعلم ما في صدورنا قبل أن نبوح به. ومع ذلك، يفتح لنا باب الدعاء، لأن الدعاء عبادة.
من أجمل ما يطمئن القلب أن من ندعوه هو السميع سبحانه. سميع يسمع كل صوت، مهما خفي، ومهما ضعف. روت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- موقفاً عجيباً يدل على سعة سمع الله تعالى، فقالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تكلمه في جانب البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله…)».
تأمل هذا المشهد قليلاً. امرأة تتكلم في طرف البيت، وعائشة -رضي الله عنها- قريبة لكنها لا تسمع كلامها بوضوح، ومع ذلك يسمعها الله سبحانه من فوق سبع سماوات. يسمع شكواها، ويخلد قصتها في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة.. وكأن في القصة وعداً ربانياً: لا يضيع عند الله صوتٌ دعاه.
الله السميع هو الذي وسع سمعه كل شيء. يسمع أصوات الخلق جميعاً في اللحظة نفسها. يسمع دعاء المظلوم، وتسبيح العابد، وبكاء التائب، وهمس الخائف. لا تختلط عليه الأصوات، ولا تختلف عليه اللغات، ولا يشغله سمع عن سمع.
قد يتكلم ملايين البشر في وقت واحد، كلٌّ بلغته، وكلٌّ بحاجته، وكلٌّ بقصته، لكن الله يسمعهم جميعاً. يسمع الدعاء الذي يخرج من الشفاه، ويسمع الدعاء الذي يبقى حبيس القلب.
بل إن سمعه سبحانه أعظم من ذلك، فهو يسمع السر والنجوى، ويسمع حتى تلك الخواطر التي تمر في القلب مروراً خفيفاً. يسمع رجفة القلب قبل أن تتحول إلى كلمات، ويسمع دمعة العين قبل أن تسقط.
لهذا كان الدعاء في الإسلام ليس مجرد كلمات تُقال، بل علاقة حيّة بين العبد وربه. حين يرفع الإنسان يديه، فهو لا يتكلم في فراغ، بل يناجي رباً يسمع ويرى ويعلم. كم من إنسان جلس وحده في ليل طويل، يحدث الله عن همٍ أثقله، أو خوفٍ يسكن قلبه، أو حلمٍ يتمناه، ثم بعد أيام أو شهور يرى كيف رتّب الله له الأمور بطريقة لم يكن يتوقعها. ليس لأن الدعاء كلمات سحرية، بل لأن من يسمعه هو رب قادر رحيم. ولهذا كان السلف إذا ضاقت بهم الدنيا، أسرعوا إلى الدعاء. كانوا يعلمون أن الطريق الأقرب إلى الفرج يمر دائماً عبر باب السماء.
وفي هذه الأيام التي تمر فيها منطقتنا بظروف صعبة، وتكثر فيها الأخبار والقلق، يحتاج الإنسان أكثر من أي وقت مضى أن يعود إلى هذا المعنى العظيم: أن الله سبحانه من أسمائه السميع. حين تضيق الأخبار، وتتزاحم المخاوف، ويشعر الإنسان بأن الأمور أكبر من قدرته، يبقى الدعاء ملاذاً صادقاً. نرفع أكفنا إلى الله السميع، نسأله أن يرفع عنا البلاء بلطفه، وأن يحفظ بلادنا وأهلنا بحفظه، وأن يديم على بلادنا وبلاد الخليج نعمة الأمن والاستقرار. فكم من أزمات مرّت على الأمم، ثم كشفها الله في لحظة لا يتوقعها أحد. وكم من شدائد بدت طويلة، ثم جاء الفرج بعدها قريباً.
الدعاء ليس ضعفاً كما يظن البعض، بل هو أعظم صور القوة الروحية. لأن الداعي يعرف إلى من يتجه. حين تقول: يا رب، فأنت تنادي رباً يسمعك الآن، في هذه اللحظة، مهما كنت، ومهما كان حالك. لا تحتاج إلى صوت مرتفع، ولا إلى كلمات طويلة. يكفي قلبٌ حاضر يصدق في توجهه إلى الله. الله يسمع الدعاء في المسجد، ويسمعه في الطريق، ويسمعه من قلبٍ مكسور في غرفة مظلمة. يسمع دعاء الأم لولدها، ودعاء الأب لأسرته، ودعاء إنسان بسيط يسأل ربه أن يفرج عنه كربه.
ولهذا، في هذه الأيام المباركة، لا تتعب نفسك بكثرة القلق، بقدر ما تتعبها بكثرة الدعاء.
ارفع يديك، وقل من قلبك: يا سميع الدعاء، احفظنا بحفظك، وارفع عنا ما أهمّنا بلطفك، وأدم علينا نعمة الأمن والطمأنينة.
فالله الذي سمع شكوى امرأة في طرف بيت، قادر أن يسمع دعاء أمة كاملة.