عبدالوهاب الفايز
والآن.. وأهوال الحرب مازالت قائمة، جاءت تصريحات الرئيس دونالد ترامب كانها تُبشّر بواقع جغرافي جديد لإيران، أي تقسيم البلد! مُجيبا على سؤال حول خريطة إيران قال ترامب: «لا أستطيع الجزم بذلك، ولكن لا أعتقد (أن الخريطة ستبقى كما هي). إنهم ينهارون، ونحن ندمر إمبراطوريتهم».
هذا التصريح يدفع لاستحضار دروس التاريخ المثقلة بالتحديات والخيبات، لا سيما تلك التي صاغت وجه الشرق الأوسط قبل قرن من الزمان. فالحديث المتكرر والمتصاعد - بالذات تصريح السفير الأمريكي في إسرائيل هاكابي - عن «تغيير الخريطة» ليس مجرد تحالفات عسكرية أو أداة ضغط سياسي، هناك من يراه نداء لإيقاظ ادبيات التقسيم التي ظنّنا أنها محرمة وتتنافى مع واقع الدولة القومية الحديثة. وأيضا يؤكد الأطماع الأمريكية في المنطقة للسيطرة على تدفقات النفط ومحاصرة مصالح الصين فيها.
هذه التصريحات والتلميحات تبدو مخيفة حين نربط هذا الاندفاع الراهن بما وثّقه المؤرخ ديفيد فرومكين في كتابه المرجعي «سلام ما بعده سلام»، حيث يكشف لنا أن مصائر الشعوب والخرائط لا تُصنع دائماً طبقا لمصالح عليا مجمع عليها، بل قد تولد من رحم العجز البيروقراطي وسوء الفهم الإنساني داخل أروقة صناعة القرار، ومن مصالح النخبة الراسمالية الضيقة.
والحديث هنا ليس دفاعاً عن نظام طهران الذي يرفضه كثير من الايرانيين، بعد جرائمه بحق الشعوب العربية، وجرائمهم ضد دولنا، فالصواريخ والمسيرات الإيرانية ضربت دول الخليج اكثر مما ضربت إسرائيل. ولكن ما نتحدث عنه هو دفاع عن منطق التاريخ، وعن شعوب المنطقة من أن تكون ضحايا لتصورات مشوّشة في دهاليز القرار الدولي. وكما قلنا في مقال الأسبوع الماضي، لا أحد في الخليج لديه العقل والحكمة يتمنى الخراب والدمار لإيران، أو يسعى في تقسيمها وتشتيت شعبها؛ ما نتطلع إليه هو قيام (دولة) تنهي حقبة (الثورة).
الشعب الإيراني يتطلع أن يكون بلدا يصدر السلع والخدمات والثقافة والفنون والأدب والموسيقى، وشريك تعايش وسلام لجيرانه، وليس بلدا يصدر الثورات والخراب.
في هذا المشهد المضطرب نحتاج - مرة اخرى - لفهم دروس التاريخ، بالذات كيف تتعامل الدول الكبرى مع مصالح شعوب المنطقة، وكيف تصاغ سياسات الهيمنة. وهنا نجدها عند ديفيد فرومكين حيث تتضح كيف تصنع البيروقراطية مصائر الشعوب. يقول فرومكين في مقدمة كتابه واصفاً جذور العطب في السياسة البريطانية تجاه المنطقة عام 1916:
«ثم إنني أيضاً قد أكون أول من حل ألغاز حالات سوء التفاهم العديدة، أو على الأقل لفت الانتباه إليها، تلك الحالات من سوء التفاهم التي أشعلت في عام 1916 صراعاً خفياً داخل جهاز البيروقراطية البريطانية بين (سير مارك سايكس) مسؤول شؤون الشرق الأوسط في لندن، وصديقه (جيلبرت كلايتون) رئيس المخابرات في القاهرة. وقد تبين لي أن لا سايكس ولا كلايتون أدرك قط أن سايكس، في مفاوضات عام 1916 مع فرنسا، أخطأ في فهم ما طلب منه كلايتون أن يفعله، ذلك أن سايكس فعل العكس تماماً معتقداً بكل براءة أنه كان ينفذ رغبات كلايتون.
الأمر الذي كان يرغبه كلايتون هو ان تكون فلسطين تحت سيطرة بريطانية خالصة، وهذا لم ينفذه مارك سايكس حيث وافق على مشاركة فرنسا، وهذا (التخبط) أدى لاحقاً إلى إصدار وعد بلفور كذريعة أخلاقية وقانونية للتنصل من «التدويل» الذي وقعه سايكس، والمطالبة بانتداب بريطاني منفرد على فلسطين.
ونتيجة لفقدان الثقة نشأ صراع مرير بين «رجال القاهرة» (الذين وعدوا العرب بدولة) و«رجال لندن» (الذين قسموا المنطقة مع فرنسا)، وهو الصراع الذي مازالت تدفع ثمنه شعوب المنطقة.
ما وجده فرامكين يضعنا أمام جوهر الخطر الذي يحيط بتصريحات ترامب اليوم؛ فالسياسات الدولية الكبرى، مهما بدت حازمة أو مدفوعة بـ (نيات حسنة) لتأديب نظام مارق، تظل رهينة «جهاز بيروقراطي» قد يعاني من ذات الانفصام الذي أصاب سايكس وكلايتون. إن خطورة «تغيير الخريطة» تكمن في أنها ستُنفَّذ عبر ماكينة إدارية وعسكرية معقدة، حيث تتدخل التصورات المشوّشة، والمشاعر الشخصية، والتنافس بين الاجهزة والوكالات الاستخباراتية، مما قد يؤدي لنتائج كارثية لم يتوقعها حتى صاحب التصريح نفسه، السيد ترامب!
اذاً عملية رسم خريطة الشرق الأوسط بوضعه الحالي، كما يقول فرامكين، كانت ذروة (اللعبة الكبرى) بين القوى العظمى، فيبدو أننا وبعد مئة عام نرى صورة حديثة لسياسات القوى العظمى المعاصرة. وإذاً النوايا مبيتة لهذا الحدث العظيم، فبعض دول المنطقة تواجه أخطار وجوديه قائمة، منها ما هو نابع من ظروفها الداخلية ومشاكلها المزمنة (الخلافات المستمرة)، ومنها ما هو من الأعداء المتربصين بها.
في هذا السياق بالذات، حذّر هنري كيسنجر في كتابه «النظام العالمي» (2014) من أن التدخل الخارجي في بنية الدول في الشرق الاوسط قد لا يؤدي إلى «إعادة ترتيب»، بل إلى فراغ من القوة تملؤه الميليشيات والأيديولوجيات المتطرفة التي تجد في الفوضى بيئة خصبة للنمو. وكيسنجر ليس صوتاً ليبرالياً، بل هو من أهم المنظّرين في السياسة الأمريكية، مما يمنح تحذيره ثقلاً استثنائياً.
في الواقع الآن هناك من يقول إن الحديث عن تغيير الخرائط هو فقط سياسة ضرورية لممارسة «الضغط الأقصى» على النظام الإيراني الذي يمثل حالة استثنائية لدولة «مارقة» تنتهج تصدير الفوضى، لذا الضغط الوجودي عليه هو السبيل الوحيد لإجباره على تغيير سلوكه الإقليمي. وهناك من يرى بأن الشعب الإيراني ذاته يرزح تحت الاستبداد ويستحق دعم العالم للتحرر من النظام.
الحجج لتغيير الخرائط غير مقبولة وخطيرة وتطرح (سابقة في النظام الدولي). انها حجة تنهار عند اختبارها بمحك التاريخ والوقائع. المفكر الإيراني الأمريكي عباس ميلاني، مدير دراسات إيران في جامعة ستانفورد والذي يعارض النظام الإيراني بوضوح وصرامة، يُحذّر من أن التدخل العسكري الخارجي وتهديد وحدة الأراضي الإيرانية لا يُضعف النظام، بل يمنحه هبةً لا تُقدَّر: إحياء الوطنية الإيرانية في مواجهة التهديد الأجنبي، وهو بالضبط ما يحتاجه للبقاء. إن المعارضة الداخلية الحقيقية - كما أثبتت أحداث 2009 و2019 و2022 - تنمو في رحم الحرية الداخلية، لا في ظلال القصف الخارجي.
ثم أن التلويح بتفكيك الدولة الإيرانية يطرح سؤالاً جوهريا: من سوف يتولى عملية التفكيك؟ هل نثق بكفاءة الدبلوماسية الأمريكية المتراجعة منذ سنوات، وهي الحالة التي تنبأ بها المفكر الاستراتيجي جورج كينان، المعروف بـ «Mr. X» وصاحب نظرية الاحتواء، في مقالته الشهيرة بعنوان «دبلوماسية بلا دبلوماسيين»، 1997. انتقد كينان ضعف الخبرة الميدانية للعاملين في وزارة الخارجية، وغياب «رجال الدولة» الحكماء الذين يفهمون الأبعاد الثقافية والاجتماعية للشعوب.
وثمة نظرة أعمق لهذا الأمر نجدها لدى المفكر الاستراتيجي ستيفن وولت من جامعة هارفارد. يرى في أطروحته «التجمع حول العلم» (Rally Around the Flag) ان التهديد الوجودي لا يُفكّك الأنظمة، بل ربما يعمق شرعيتها الداخلية، ويحوّل النقمة الشعبية على النظام إلى تضامن دفاعي حوله. ولعل أوضح شاهد على ذلك أن العقوبات الأمريكية المتراكمة لم تُسقط النظام الإيراني خلال أربعة عقود، بل زوّدته في أحيان كثيرة بذريعة إلقاء أزماته الاقتصادية الداخلية على كاهل «العدو الخارجي».
الاخطر، وكما فعلت في العراق وافغانستان، قد تتعامل الذهنيّة الأمريكية مع الجغرافيا الإيرانية كأنها كيان ميكانيكي يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه.
المفكر الإيراني الأمريكي فالي نصر في كتابه «الصحوة الشيعية» (2006) يُقدّم صورة دقيقة تكشف كيف أن الهويات الطائفية والعرقية في إيران لا تعمل على خطوط بسيطة قابلة للتقسيم الهندسي. إن الحدود في هذه المنطقة لا تفصل بين كتل صماء، بل تخترق قبائل وعائلات وقِيَماً متشابكة، مما يجعل كل تقسيم قسري فتيلاً لحرب أهلية طويلة الأمد، ولن يجلب الاستقرار.
الذي نعرفه إن إيران تشكل «فسيفساء» عرقية وقومية بالغة التعقيد من كرد وعرب وآذريين وبلوش، وفيلية ولور وتركمان. وغياب الخبراء الذين يفهمون هذا التعقيد ويعرفون «روح الأرض» واستبدالهم بموظفين وخبراء يعيشون في واشنطن، يجعل مشروع رسم حدود جديدة بمثابة «هندسة اجتماعية قسرية» ستؤدي حتماً إلى انفجار طائفي وعرقي عابر للحدود، لن يتوقف عند حدود إيران الجغرافية، بل سيمتد ليضرب استقرار دول الجوار والخليج العربي.
وهو ما يؤكده فريد زكريا في كتابه «ما بعد عالم أمريكا» (2008)، حين يُحذّر من ظاهرة «الإفراط في الاستخدام الاستراتيجي» (Strategic Overreach)، مشيراً إلى أن كل محاولة أمريكية لفرض نظام جديد بالقوة العسكرية منذ عام 2003 أفرزت تداعيات تجاوزت الحسابات الأولية بمراحل. فالعراق بعد عام 2003 ليس مجرد درس في الجغرافيا السياسية، بل هو درس في حدود القوة الصلبة حين تواجه هوية إنسانية راسخة.
ايضا «سابقة التقسيم» التي يلوح بها البيت الأبيض تمثل تهديداً وجودياً للنظام الدولي القائم؛ فإذا أصبحت سيادة الدول ووحدة أراضيها خاضعة لنتائج العمليات العسكرية أو المزاج السياسي للقوى الكبرى، فإننا نفتح «صندوق باندورا» الذي لن يُغلق أبداً. فالدول المحيطة بإيران، وخاصة دول الخليج، تدرك تماماً أن سقوط الدولة المركزية في طهران لا يعني بالضرورة «الاستقرار»، بل قد يعني ولادة «دولة فاشلة» كبرى، حيث تتحول الحدود إلى بؤر للتهريب، وتدفق اللاجئين، ونمو الجماعات المسلحة المنفلته.
والأخطر من ذلك أن لكل دولة من دول المنطقة أقلياتها العرقية والطائفية المتشابكة مع النسيج الإيراني. فإشعال نار التقسيم في إيران سيوقظ أسئلة وجودية في العراق وأذربيجان وأفغانستان وباكستان وسواها، في ما يشبه أثر الدومينو الذي تنبأ به كيسنجر حين قال إن الفراغ الناجم عن تفكيك الدول يملؤه دائماً أحسن قوى الفوضى تنظيماً.
باختصار نقول، إن التاريخ يعلمنا أن «تغيير الخرائط» من الخارج لم يأتِ يوماً بسلام مستدام. إن تداخل المصالح الإقليمية وتضاربها، مع وجود جهاز بيروقراطي أمريكي خارجي يوجهه اللوبي الاسرائيلي في واشنطن ويعاني من ضعف التواصل الإنساني الفعّال، سيجعل من أي خطوة لتفكيك إيران مغامرة غير محسوبة العواقب، حيث قد يُخطئ المنفذون في فهم «رغبات القائد» أو يُسيئون تقدير ردود فعل الشعوب، تماماً كما فعل سايكس قبل مئة عام. الله يخارجنا ويحمينا!