وفاء سعيد الأحمري
في هذا الشهر الفضيل، وهذه الأيام المباركة، وهذه الليالي الخاشعة التي يبتهل فيها المسلمون إلى الله بالدعاء والمغفرة، نعيش في ظل أوضاع متسارعة في منطقة الخليج، ومع متابعة الأخبار عن تصدّي المملكة العربية السعودية للمسيّرات واعتراض الصواريخ، وما يصاحب ذلك من تكهرب في أجواء المنطقة.
لكننا تعودنا في سعوديتنا الطموحة أن نعمل، وأن يعمل الجميع؛ كلٌّ في موقعه ووظيفته، يخدم وطنه ويرفع علمه. نحن لا نتوقف. هناك جندي يراقب، وقائد يوجّه، وآخر ينفّذ. هناك طبيب في عمله، وآخر متطوع في بيت الله يخدم ضيوف الرحمن في الحرمين الشريفين، وفي كل مسجد موائد إفطار وصدقات ودعوات وصلوات. كلٌّ في عمله، صغيرًا كان أو كبيرًا، وأيًّا كانت التصنيفات. فكل ما يخدم هذا الوطن هو خدمة للعلم الأخضر وخدمة لسعوديتنا.
وفي ظل هذه الأخبار المبعثرة هنا وهناك، نحن السعوديين، بتربية قادتنا وولاة أمرنا، تعلمنا أن نركز فيما بين أيدينا. فكل عمل نقوم به لخدمة الوطن هو حماية له ودفاع عنه؛ فكلٌّ يدافع بما يملك. وعندما نركز في أعمالنا ونتوكل على الله، ونؤمن أن هناك قيادة حكيمة رشيدة تسهر الليل والنهار على حمايتنا، فإن واجبنا يكون الدعاء، والاستمرار في التركيز على ما نريد، لا على ما لا نريد.
لقد علمتنا حكومتنا الرشيدة أن من يهتم بشؤونه ويؤدي دوره في بلده فإنه بذلك يدافع عن وطنه خير دفاع. وعندما لا ينشر الشائعات فإنه يحمي بلده، وعندما يقضي يومه متوكلاً على الله فإنه يخدم وطنه، وعندما يهتم بأسرته ويقوم على أهل بيته ويدعو ربه فإنه يخدم بلده.
ليس مطلوبًا منا أن نتسمر خلف الشاشات لمراقبة الأخبار وكأنها العمل الذي كُلّفنا به. فالمتابعة بلا مبالغة من باب الاطلاع على مجريات الأمور أمر محمود، أما الترهيب ونشر الأخبار والتوجس طوال الوقت فليس من التوكل على الله في شيء.
وفي الوقت ذاته بين انشغال العالم بالصواريخ والمسيرات، تتجلى صورة أخرى مميزة من مسيراتنا؛ مسيرات العلم للمملكة العربية السعودية التي فجّرت بنور الحكمة والمعرفة سماء معرض جنيف الدولي للاختراعات في دورته الحادية والخمسين، خلال الفترة من 11 إلى 15 مارس 2026. نحن مسيرات سلم، ومسيرات علم، ومسيرات العلم أقوى من أي سلاح، وأهم من أي دبابة أو رصاصة. نحن ندافع ولا نهاجم، ولنا مسيراتنا الخاصة؛ مسيرات علم في معرض جنيف، ومسيرات موائد إفطار في بيوت الله، ومسيرات عطاء ومحبة في كل مكان.
ونصدّ وندافع، ولكننا كما قال الراحل الأمير سعود الفيصل -رحمه الله-: «نحن لسنا دعاة حرب، ولكن إذا قُرِعت طبولها فنحن جاهزون لها.» فالجاهزية والرد شأن ولاة أمرنا وقادتنا، أما نحن اليوم فعلينا أن ننشغل بمسيرات الإنجاز والنجاح والعطاء والدعاء والهدايا وفرحة العيد والأنوار والبهجة.
وقد جاء تمثيل المملكة في معرض جنيف من مختلف الجهات والوزارات. فتعزيزًا للريادة السعودية في الابتكار الصحي شاركت المنظومة الصحية بـ20 اختراعًا. كما أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية مشاركتها من خلال جناحها باستعراض مجموعة من المبادرات التي تمكّن المبتكرين في قطاعي الصناعة والتعدين، وتوفر بيئة محفزة للإبداع وتطوير الحلول التقنية المتقدمة، إضافة إلى بناء جسور التواصل مع الخبرات العالمية وتبادل المعرفة بما يعزز التنافسية الصناعية السعودية ويتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
كما هناك كذلك مسيرات اختراع وتمثيل من وزارة الطاقة ممثلة بمنظمومة الطاقة و وزارة الدفاع بممثلة كلية الأمير سلطان الصحية. بالإضافة لتمثيل من أكاديمية طويق.
أما مسيرات العلم من وزارة التعليم فقد حققت إنجازًا لافتًا؛ إذ حصدت منظومة التعليم والتدريب في المملكة 133 ميدالية و6 جوائز دولية خاصة إضافة إلى الجائزة الكبرى للمعرض. وشاركت المنظومة بـ139 اختراعًا من التعليم العام والجامعات والمعلمين والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. ففي التعليم العام شارك الطلاب والطالبات بـ14 اختراعًا، وحققوا الجائزة الكبرى لفئة الطلاب أقل من 18 عامًا، إضافة إلى 5 ميداليات ذهبية و6 فضية و1 برونزية وكأسين دوليتين.
أما المعلمون والمعلمات فشاركوا بـ10 اختراعات وحققوا ميدالية ذهبية من مرتبة الشرف، و1 ذهبية و6 فضية و1 برونزية وجائزة دولية خاصة.وفي الجامعات والكليات شارك 111 اختراعًا حصدت 26 ذهبية و43 فضية و27 برونزية و14 ميدالية من مرتبة الشرف و3 جوائز دولية خاصة.كما شاركت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني بـ4 اختراعات حصدت ميدالية ذهبية و3 ميداليات برونزية.
ويعكس هذا الإنجاز تميز مسيرات المبتكرين السعوديين وتقدم منظومة الابتكار في المملكة بما يعزز حضورها عالميًا ويتماشى مع رؤية السعودية 2030.
لقد فجّرت مسيرات الابتكار سماء المعرض فخرًا وعلمًا ورفعة، بألوان الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية والجوائز الخاصة، حتى أصبح صدى التصفيق حاضرًا، وطاقة الإبداع تشع من أروقة المعرض، تمتزج ألوان الميداليات فيه مع العلم الأخضر.
ولعلكم تسمحون لي أن أفصل قليلًا في مسيرات جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وأن أزهو قليلًا وأهنئ الزميلات في جامعتي الحبيبة؛ فقد كانت مسيرتنا مميزة و وصواريخنا متنوعة. كانت المسيرة بالجائزة الخاصة للبروفيسورة ثمراء الشهراني بابتكار جهاز للتخليق النباتي للمركبات النانوية لتطبيقات المكثفات الفائقة ثنائية النمط. ويعتمد الابتكار على تخليق أخضر باستخدام نبات المورينجا لإنتاج مواد نانوية عالية الكفاءة لتخزين الطاقة، في إنجاز علمي قائم على التعاون البحثي العالمي. مسيرة علمية مبهرة جعلت من نبات المورينجا مادة نانوية لتخزين الطاقة. وحتى في اختراعها جاءت خضراء، من نبتة خضراء. وربما هي مصادفة، لكن دعوني اليوم أكتبها كما أشعر بها: خضراء كعلمنا الأخضر، أصل الابتكار. ويحق لي اليوم أن أزهو وأنا أكتب عن إنجازات وطني وعن إنجاز الزميلات.
أما المسيرة الذهبية بقيادة الدكتورة مضاوي بنت حمد العتيبي وبمشاركة الدكتورة أفراح المويس فقد حققت الميدالية الذهبية مع تهنئة المحكمين بابتكار المشاية الذكية القابلة للتحول لكبار السن (ARDN). ويقدم الابتكار مشاية متعددة الوظائف يمكن تحويلها إلى عصا مزدوجة لدعم التنقل وصعود السلالم، ومزوّدة بحساسات لمراقبة المؤشرات الحيوية والتنبيه عند تغير التضاريس، بما يعزز سلامة واستقلالية كبار السن. مسيرتنا سلمية، وحلولها إنسانية؛ نحن نقدم الدعم والعون.
كما حققت مسيرة الابتكار «نسمة» الميدالية الفضية، بقيادة الدكتورة مضاوي العتيبي ومشاركة الدكتورة أفراح المويس، وهو جهاز يوفر مراقبة مستمرة لحرارة الجسم والنبض مع تنبيهات مبكرة وتفعيل نظام تبريد تلقائي عند ارتفاع الحرارة، بما يدعم متابعة المرضى عبر تطبيق ذكي.
وجاءت مسيرة أخرى بميدالية برونزية للدكتورة مضاوي العتيبي بابتكار يخدم أحباب الله الأطفال، وهو كرسي السيارة الحسي التكيفي متعدد الأنظمة للأطفال؛ حيث يوفر المقعد نظامًا ذكيًا مزودًا بحساسات لمراقبة وضعية الطفل والعوامل الحسية أثناء التنقل، ويقوم تلقائيًا بتعديل دعامات الرأس والجذع والحوض، مع بيئة حسية مهدئة تشمل الإضاءة الخافتة والاهتزازات اللطيفة لتعزيز راحة الطفل وتقليل التوتر أثناء السفر. أي روح نملك نحن ومسيرتنا الشافية.
وكانت هناك مسيرة أخرى مميزة فجّرت ميدالية ذهبية بعنوان «مرين» بقيادة البروفيسورة حنان الجعيد، وهو جهاز يشخص ويساعد في تأهيل إصابات المفاصل، مرتبط بمنصة ذكية لإعادة التأهيل توظف التقنيات الحديثة لتحويل العلاج إلى تجربة تفاعلية مع خطط علاجية متخصصة ومتابعة دقيقة للأداء.
أي نوع من المسيرات العلمية هذه التي نصنعها؟ كم قنبلة فخر فجّرنا، وكم مرة ارتفع علم المملكة في هذا المحفل. إنه نصر من نوع آخر، ووقود معنوي كبير، وتشريف لا يضاهى.
نحن هكذا؛ لنا مسيرات من نوع آخر. كلٌّ في اختصاصه يحمي وطنه بطريقته: بعلمه، بدعائه، بإخلاصه، بهدوئه، ببحثه، بعمله، وحتى باهتمامه بصحته. فذلك أيضًا خدمة للوطن وحماية للوطن.
إن التركيز في شؤوننا، والتميز في أهدافنا وأعمالنا، هو حماية لأوطاننا. والامتثال لتوجيهات حكومتنا الرشيدة وولي عهدها الأمين هو خير دفاع وأضمن سبيل لحماية وطننا.
وفي هذه الأيام الفضيلة أتمنى لكم مسيرات من الدعاء، تتضاعف فيها الدعوات المستجابة، ومسيرات من الهدايا والقلوب، وفرحة بالعيد السعيد بعد أيام بإذن الله. وكل عام وأنتم بخير.