خالد بن عبدالرحمن الذييب
يقول إدموند بيكن في كتابه «تصميم المدن» في حديثه عن القبب والمباني الدائرية، «تتجه الكتلة المستديرة إلى حرف مثل هذه القذائف التي من الممكن أن ينتجها الذهن العسكري».
كان التخطيط الحضري يمثِّل ردة فعل للتقنية العسكرية، فكلما تقدمت التقنية العسكرية كان على العمرانيين مواجهتها بطريقة تخطيطية للتقليل من الخسائر، فالصراعات بين الخصوم لا تعتمد على السلاح فقط، ولكن أيضاً على القدرة على الصمود. وبناءً على ذلك كان العمرانيون يدافعون عن مدنهم بأفكار تبدو بسيطة ولكنها عبقرية. فالمباني البارزة للأعلى كانت تشكِّل خطراً وصيداً سهلاً للأعداء سواء بالمنجنيق أو الأسلحة التقليدية الأخرى، لذلك ظهرت فكرة المباني الدائرية والقبب والأسقف المحدبة لتبدو أكثر صعوبة في التأثير عليها، ليكون تصميمها -بالإضافة إلى الناحية الجمالية- سلاحاً دفاعياً لصمود المدينة.
ومع مطلع القرن العشرين، خضع العمرانيون لتقدم الآلة العسكرية خاصة في الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين شهدتا تقدماً عسكرياً مرعباً من جميع الأطراف المتصارعة، لكننا اليوم نشهد ولادة «تناغم» جديد، حيث استطاع العمرانيون أخذ الاقتصاديون إلى صفهم، بحجة أن أي دمار يلحق بالعمران هو دمار حتمي للاقتصاد العالمي.
إن التخطيط الحديث يتجاوز مفهوم الإيواء إلى مفهوم «الردع بالمصالح»، من خلال تحويل المدن إلى عقد حيوية في شريان الاقتصاد والطاقة العالمي، وبناء مراكز جذب لاستثمارات مليارية دولية، يُخلق «درع سيادي» غير مرئي. لقد أثبتت تجارب مدنٍ عديدة أن دمج المصالح العالمية في صلب النسيج الحضري يجعل من كلفة الاعتداء العسكري «انتحاراً دبلوماسياً» للمعتدي؛ إذ تتحول تلك المدن إلى مناطق محمية بقوة القانون الدولي وجدوى الاستثمار العابر للحدود.
هذه الفلسفة ليست مجرد حديث نظري، بل هي الواقع الذي تعيشه منطقة الخليج اليوم، وتحديداً ونحن نرقب في مارس 2026 التوترات الأمنية الراهنة. لقد استوعبت دول الخليج الدرس بذكاء استثنائي؛ فحمت نفسها اقتصادياً وتخطيطياً أكثر مما فعلت عسكرياً، حيث لم يعد الهدف «حرف القذيفة» فيزيائياً، بل إجهاض أثرها إستراتيجياً عبر «الردع بالمصالح».
إن الردع هنا لا يُقاس بغياب الهجوم، بل باستحالة استمراره، فالعالم الذي ينتفض فور تأثر شريان الطاقة أو الملاحة في الخليج لا يفعل ذلك انحيازاً سياسياً، بل دفاعاً عن أمنه القومي؛ فالارتفاع المفاجئ في أسعار النفط العالمية وتأثر سلاسل الإمداد مع كل تهديد، هو الذي يحرك عواصم القرار للضغط نحو التهدئة الفورية.
أخيراً...
إن قوة المدن اليوم لا تكمن في قوة تسليحها فقط، بل في كونها «عقداً» لا يمكن للعالم تحمّل كلفة انكسارها.
ما بعد أخيراً...
ذكاء التخطيط يكمن في وضع الاقتصاد في صف المدينة، كونه الحصن الأهم الذي لا تطاله القذائف.