سارة الشهري
كلما اقترب عيد الفطر، تتسلَّل إلى قلبي ليالٍ قديمة لا تشبه شيئاً في الحاضر. ليالٍ دافئة تعود بي إلى طفولتي، إلى ذلك البيت الذي كان يجمعنا في العيد جميعاً.. بيت جدي علي، حيث كان العيد يبدأ قبل أن يطلع صباحه، ويكبر في قلوبنا قبل أن نسمع تكبيرات العيد فجراً.
هناك، كانت السعادة بسيطة لكنها صادقة. كنا ننتظر العيد بقلوب صغيرة مليئة بالشوق، وكأن العالم كله يقف خلف باب الغد.
وما إن يأتي صباحه حتى يمتلئ البيت بالأصوات والضحكات، وتختلط رائحة القهوة بالبخور، فيصبح المكان أكثر دفئاً من أي وقتٍ آخر. أتذكر عيدية جدي.. مئتا ريال فقط، لكنها كانت في نظرنا كنزاً عظيماً. كنا نمسكها بأيدينا الصغيرة ونمشي بها بفخر، وكأن الدنيا أصبحت ملكنا. لم تكن قيمتها في الرقم، بل في تلك اليد الحانية التي تمنحها، وفي تلك الابتسامة التي ترافقها، وفي شعور الطفولة الخالص الذي يجعل القليل يبدو كثيراً.
كانت طاولة العيد مليئة بالحلوى، والبيت مليئاً بالمعايدين. وجوه تأتي بالحب، وكلمات تخرج من القلب، وسلامات تُقال بصدقٍ ودفء. كان العيد يوم اجتماع القلوب قبل أن يكون مناسبة.
أما أجمل اللحظات فكانت حين نخرج جميعاً للنزهة. عماتي وأعمامي، جدي وجدتي، وأطفال العائلة. كان الجمع الكبير يجعل الفرح أكبر، وكأن السعادة تتضاعف حين تتقاسمها القلوب. كنا نضحك بلا حساب، ونعيش اللحظة دون أن نعلم أنها ستصبح لاحقاً من أثمن ما نملك في ذاكرتنا.
رحم الله جدي وجدتي.. فقد كانا قلب تلك الأيام وروحها. رحلا، لكنهما تركا في داخلنا عيداً لا ينتهي، وذكرياتٍ كلما مرّ العيد عادت لتطرق أبواب القلب برفق.
واليوم، وأنا أرى أطفالي ينتظرون العيد بلهفة تشبه لهفتي القديمة، أدرك أن الزمن لم يأخذ تلك السعادة، بل سلّمها لنا لنكملها. أحاول أن أزرع في قلوبهم ما زُرع في قلبي يوماً، أن أمنحهم لحظات مليئة بالحب، وذكريات دافئة تكبر معهم عاماً بعد عام.
أفعل ذلك لأنني أعلم أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في قلوب أبنائه ليس المال ولا الهدايا، بل ذكريات سعيدة يعودون إليها كلما كبروا.
فالعيد الحقيقي ليس يوماً واحداً في السنة، بل هو شعور يسكن القلب، وذكريات تتوارثها الأجيال.
وكما كان عيدنا جميلاً في بيت جدي، أتمنى أن يكبر أطفالي يوماً وهم يقولون:
كان عيدنا أجمل، لأننا عشنا تلك اللحظات معاً.