عماد بن حمود الرحبي
لم يعدِ الاحتيالُ في زمنِنا يطرقُ الأبوابَ كما كانَ يفعلُ اللصوصُ قديمًا، بل صارَ يدخلُ على الناسِ من شاشةِ الهاتفِ، ومن رسالةٍ قصيرةٍ، ومن رابطٍ يبدو مألوفًا، ومن مكالمةٍ تتحدثُ بثقةٍ، ومن صفحةٍ تشبهُ الصفحةَ الأصليةَ حتى يكادَ الإنسانُ لا يفرقُ بينهما؛ وفي عُمانَ، لم تعدْ هذهِ المسألةُ مجردَ تنبيهٍ عابرٍ، بل باتتْ قضيةً اجتماعيةً وأمنيةً تمسُّ شريحةً واسعةً من الناسِ، خصوصًا مع تكرارِ التحذيراتِ الرسميةِ من أساليبِ احتيالٍ رقميةٍ متجددةٍ، منها مواقعُ مزيفةٌ تنتحلُ صفةَ جهاتٍ رسميةٍ للحصولِ على البياناتِ الشخصيةِ والمصرفيةِ.
والأخطرُ أنَّ هذا النوعَ من الاحتيالِ لا يعتمدُ فقط على التقنيةِ، بل يعتمدُ قبلَ ذلكَ على استدراجِ الثقةِ.
فالمحتالُ اليومَ لا يحتاجُ إلى كسرِ بابٍ، بل يكفيهِ أن يكسرَ ترددَ الضحيةِ، أو يستعجلَها، أو يوهمَها بجائزةٍ، أو يخيفَها بإجراءٍ عاجلٍ، أو يخاطبَها باسمِ جهةٍ تبدو محترمةً؛ وهنا تتحولُ المشكلةُ من مجردِ جريمةٍ تقنيةٍ إلى اختبارٍ يوميٍ لوعيِ الناسِ؛ لأنَّ الضحيةَ قد لا تكونُ جاهلةً، بل قد تكونُ فقط متعبةً، أو مستعجلةً، أو مطمئنةً أكثرَ مما ينبغي.
وقد كشفتْ شرطةُ عُمانَ السلطانيةُ عن تصاعدِ هذا الخطرِ بوضوحٍ؛ إذ أُعلنَ في أكتوبر 2025 عن ارتفاعِ جرائمِ الاحتيالِ الماليِ الإلكترونيِ في السلطنةِ بنسبةِ 50 % خلالَ النصفِ الأولِ من عامِ 2025 مقارنةً بالفترةِ نفسِها من العامِ السابقِ؛ كما حذرتِ الشرطةُ في أواخرِ ديسمبر 2025 من موقعٍ مزيفٍ ينتحلُ هويةَ هيئةِ حمايةِ المستهلكِ ويستدرجُ الضحايا بادعاءاتِ الجوائزِ والهدايا للحصولِ على بياناتِهم وسحبِ أموالِهم.
والمؤلمُ في هذهِ الجرائمِ أنَّها لا تسرقُ المالَ فقط، بل تسرقُ الإحساسَ بالأمانِ؛ فالإنسانُ حينَ يخافُ من رسالةٍ، أو يترددُ قبلَ الضغطِ على رابطٍ، أو يشكُّ في مكالمةٍ تبدو رسميةً، فإنَّهُ يعيشُ نوعًا جديدًا من القلقِ اليوميِ؛ ومع اتساعِ الخدماتِ الرقميةِ، ودخولِ شرائحَ أكبرَ من المجتمعِ في المعاملاتِ الإلكترونيةِ، تصبحُ المسؤوليةُ أكبرَ؛ لأنَّ أيَّ ثغرةٍ في الوعيِ قد تتحولُ في لحظةٍ إلى خسارةٍ موجعةٍ، لا سيما عندما يتعلقُ الأمرُ بمدخراتِ أسرٍ، أو رواتبَ، أو حساباتٍ يعتمدُ عليها الناسُ في شؤونِهم الأساسيةِ. وهنا لا يكفي أن نكررَ للناسِ عبارةَ: «انتبهوا»؛ فالمطلوبُ أوسعُ من ذلكَ؛ نحتاجُ إلى ثقافةٍ رقميةٍ يوميةٍ، لا موسميةٍ؛ نحتاجُ أن يصبحَ التحققُ عادةً، لا ردَّ فعلٍ بعدَ الضررِ؛ وأن يعرفَ الكبيرُ قبلَ الصغيرِ أنَّ الجهةَ الرسميةَ لا تطلبُ عادةً من الناسِ بياناتِ بطاقاتِهم عبرَ روابطَ مجهولةٍ، وأنَّ العجلةَ في التعاملِ مع الرسائلِ قد تكونُ أحيانًا أخطرَ من الرسالةِ نفسِها؛ فالمعركةُ الحقيقيةُ اليومَ ليستْ فقط بينَ الجهاتِ المختصةِ والمحتالِ، بل أيضًا بينَ وعيِ المجتمعِ وخداعِ الشاشةِ.
كما أنَّ هذهِ القضيةَ تذكرُنا بأنَّ التحولَ الرقميَّ، مهما كانَ مهمًا وضروريًا، يجبُ أن يسيرَ جنبًا إلى جنبٍ مع تحصينِ الإنسانِ نفسِهِ؛ فالتقنيةُ تسهلُ الحياةَ، لكنَّها تفتحُ كذلكَ أبوابًا جديدةً للاستغلالِ إن لم يصاحبْها وعيٌ كافٍ.
ومن هنا فإنَّ حمايةَ المجتمعِ لا تبدأُ فقط من الأنظمةِ والمنصاتِ، بل تبدأُ أيضًا من بناءِ حسٍ رقميٍ واعٍ في البيتِ، وفي المدرسةِ، وفي العملِ، وفي وسائلِ الإعلامِ. إنَّ الاحتيالَ الإلكترونيَّ لم يعدْ شأنًا يخصُّ الضحيةَ وحدَها، بل أصبحَ قضيةَ مجتمعٍ؛ لأنَّ ضحاياهُ ليسوا أرقامًا، بل آباءٌ وأمهاتٌ وشبابٌ ومتقاعدونَ وموظفون، وكلُّ خسارةٍ من هذا النوعِ تتركُ وراءَها توترًا وخوفًا ومرارةً وثقةً مهزوزةً؛ ولذلكَ فإنَّ مقاومةَ هذهِ الظاهرةِ لا تكونُ فقط بالملاحقةِ القانونيةِ، على أهميتِها، بل كذلكَ بتوسيعِ الوعيِ، وتكثيفِ الرسائلِ الوقائيةِ، وتبسيطِ التحذيراتِ، وجعلِ الثقافةِ الرقميةِ جزءًا من السلامةِ العامةِ في المجتمعِ.
لقد دخلتِ الجرائمُ إلى العصرِ الرقميِ، ولم يعدْ من الحكمةِ أن يبقى الوعيُ في زمنٍ أبطأَ منها؛ وما أحوجَنا اليومَ إلى أن نتعاملَ مع الهاتفِ لا كأداةٍ نافعةٍ فقط، بل كنافذةٍ يجبُ أن نحسنَ حراستَها؛ فبعضُ الروابطِ لا تفتحُ صفحةً فحسب، بل قد تفتحُ بابَ خسارةٍ لا يُغلقُ بسهولةٍ.