اختتمت دورتا الصين السنويتان بنجاح، وهما المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني والمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني. لا يعدّ هذا الحدث الكبير مجرد مناسبة رئيسية في الحياة السياسية للشعب الصيني فحسب، بل هو أيضاً نافذة مهمة للعالم لفهم الصين بشكل أفضل على مسار الصين وحكومتها ونظريتها.
وكان أبرز ما حظي بالاهتمام في دورتي الصين السنويتين هذا العام هو إقرار «الخطة الخمسية الخامسة عشرة».
وهو ما مثّل انطلاقة جديدة لمواصلة الدفع نحو التحديث الصيني النمط. يعدّ وضع الخطط الخمسية وتنفيذها ميزة بارزة لنظام الحكم الصيني، كما يشكل تجسيدا حقيقيا للديمقراطية الشعبية الكاملة العملية.
يعدّ وضع الخطط الخمسية بشكل علمي وتنفيذها على نحو متواصل خبرة مهمة للحزب الشيوعي الصيني في الحوكمة، كما يشكل ميزة سياسية بارزة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
من الخطة الخمسية الأولى إلى الخطة الخمسية الخامسة عشرة، حققت الصين من خلال الكفاح المتواصل لرسم مخطط واحد حتى النهاية، معجزتين نادرتين في العالم: النمو الاقتصادي السريع والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد. وأشار تقرير عمل الحكومة إلى أن الهدف المتوقع لنمو الاقتصاد الصيني في عام 2026 يتراوح بين 4.5 % و5 %، مع التأكيد على دفع الاقتصاد لتحقيق نمو معقول من حيث الكمية وتحسين فعال من حيث الجودة.
حدّدت «الخطة الخمسية الخامسة عشرة» التي أُقرت خلال الاجتماع مهام استراتيجية كبرى في 16 مجالاً رئيسياً من بينها الابتكار وتحديث الصناعة والتنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي، كما أكدت على تكثيف الجهود لتنمية وتعزيز القوى الدافعة الجديدة، وتطوير قوى إنتاجية حديثة بما يتلاءم مع الخصوصيات المحلية، إلى جانب دعم الصناعات الناشئة والمستقبلية، وبلورة أنماط جديدة للاقتصاد الذكي، وتطوير صناعات مستقبلية مثل الطاقة المستقبلية وتكنولوجيا الكم والذكاء الاصطناعي المتجسد وواجهات الدماغ والحاسوب وشبكات الاتصالات من الجيل السادس. ولا يقتصر هذا المخطط على رسم رؤية واضحة لتنمية الصين، بل يبرز أيضاً للعالم بوضوح قوة الدفع الراسخة والزخم القوي لمسار التحديث الصيني النمط.
وقد أثبتت تجربة التنمية في الصين أن الوحدة والكفاح هما مصدر القوة، وأن التمسك بالأهداف بثبات والمضي قدما في تنفيذ مخطط واحد حتى النهاية، هو السبيل الوحيد لتحويل الطموحات المنشودة إلى واقع ملموس.
تعدّ الخطة الخمسية الخامسة عشرة «خريطة الطريق» لدفع مسار التحديث الصيني النمط، كما تمثل «رسالة الدعوة» للدول الأخرى للمشاركة في التحديث المشترك، وستواصل الصين التمسك بالتنمية عالية الجودة، وتوسيع الانفتاح رفيع المستوى على العالم، وتسريع خطى الاعتماد على الذات في العلوم والتكنولوجيا، وستضطلع بدور «مصنع العالم» وتسعى في الوقت ذاته لتكون «سوق العالم». وستعمل القوى الإنتاجية الجديدة عالية الجودة في الصين على ضخ زخم جديد مستقر وقابلة للتوقع في الاقتصاد العالمي.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، وفي ظل ضعف الانتعاش الاقتصادي العالمي وتصاعد حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي، حافظ الاقتصاد الصيني على نمو مستقر، ما يعكس مرونة وإمكانات قوية.
لا تقتصر الأهمية العالمية للتنمية الصينية على حجمها الضخم وسرعتها الرائدة، بل تتجلى أيضاً في توفيرها لنمط جديد من التعاون الإنمائي الدولي، أكثر شمولية وتنوعاً واستدامة،و في ظل التغيرات المضطربة في العالم ستواصل الصين تعزيز التنمية عالية الجودة لمبادرة «الحزام والطريق»، وتوسيع نطاق الدورة الاقتصادية الدولية، والدعوة إلى تعددية أقطاب عالمية منظمة ومنصفة، وعولمة اقتصادية شاملة ومفيدة للجميع، وتقاسم فرص التنمية مع مختلف دول العالم على نحو المشترك.
في ظلّ تزايد ما يواجهه المجتمع الدولي من عجز في السلام والتنمية والأمن والحوكمة، طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية، مقدّماً من زوايا متعددة عناصر من الاستقرار واليقين لعالم يشهد اضطراباً متزايداً، ومسهما في طرح الحكمة الصينية والحلول الصينية لمواجهة التحولات العالمية ومعالجة التحديات المشتركة للبشرية. وكلما كان الوضع الدولي أكثر تعقيداً وقتامة، ازدادت الحاجة إلى تمسّك الدول، ولا سيما الدول الكبرى، بالقيم الأخلاقية وتحملها مسؤوليات أكبر. وتمثّل الصين، بما تحققه من نمو سريع، ومسار مستقر، واتجاه واضح، استجابة لمتطلبات العصر، كما تتيح في الوقت ذاته فرصاً مهمة للعالم. في إطار الخطة الخمسية الخامسة عشرة، ستواصل الصين التمسك بهدف بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وستظل قوة رئيسة للسلام والاستقرار والعدالة على الساحة الدولية، وستعمل جنباً إلى جنب مع مختلف الدول على تحقيق التعاون القائم على المنفعة المتبادلة والفوز المشترك، بما يسهم في دفع مسيرة التنمية والتقدم للبشرية على نحو أوسع.
إن الجانب الصيني يعرب عن قلقه العميق إزاء الوضع المتوتر الراهن في الشرق الأوسط. بذل وزير الخارجية الصيني وانغ يي جهوداً مستمرة للوساطة الدبلوماسية، وأجرى مكالمات هاتفية مع نظرائه من الدول المعنية، بمن فيهم وزير الخارجية السعودي صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، من أجل إعادة السلام ومنع الحرب وتعزيز تهدئة التوترات.
وقد أشار وانغ يي إلى أن الصراع الحالي حرب ما كان ينبغي ألا تندلع أصلاً، لا يربح فيها أي طرف. شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية ضد إيران، دون تفويض من مجلس الأمن وفي خضم مفاوضات كانت تجري بين طهران وواشنطن، ما يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، و ينبغي الاحترام الكامل لأمن سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها. الجانب الصيني لا يقرّ بالهجمات على دول الخليج ويرى أن أي تصرف يستهدف المدنيين الأبرياء أو الأهداف غير العسكرية يجب أن يدان.
إن الأولوية الملحة هي الوقف الفوري للعمليات العسكرية، ومنع تصعيد الأعمال العدائية وانتشارها، وسبيل تحقيق اختراق حقيقي يكمن في العودة إلى الحوار والتفاوض في أسرع وقت ممكن، سعياً لإحلال السلام، والحل الدائم يكمن في التعهد الراسخ بالالتزام المشترك بالقانون الدولي والأعراف الأساسية الحاكمة للعلاقات الدولية. الصين تدعو - منذ اندلاع الصراع - إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار والمفاوضات، والالتزام بحل سياسي. وقام مبعوث الحكومة الصينية الخاص لشؤون الشرق الأوسط بجولات دبلوماسية مكوكية في المنطقة. بصفة عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وصديقا مخلصا لدول الشرق الأوسط، ستواصل الصين دفع الجهود الرامية إلى السلام، ورفع صوتها المنادي بالنزاهة والعدالة دون توقف، وتعتزم مواصلة تعزيز التواصل مع جميع الأطراف المعنية بشأن الوضع في إيران، من بينها الأطراف المنخرطة في الصراع بشكل مباشر، والاضطلاع بدور بناء في التخفيف من حدة التوترات واستعادة السلام.
وعلى مدى السنوات الأخيرة، وتحت التوجيه الإستراتيجي من قادة البلدين، حافظت الصين والسعودية على العلاقات السياسية المستقرة، وشهدت مواءمة متزايدة بين إستراتيجيات التنمية، كما أثمرت نتائج ملموسة في مجالات التعاون العملي. وتمثّل السنوات الخمس المقبلة مرحلة مفصلية بالنسبة للصين في مسار تحقيق التحديث الاشتراكي على نحو أساسي، كما تعد مرحلة حاسمة بالنسبة للمملكة العربية السعودية في تسريع إنجاز أهداف رؤية 2030. وانطلاقاً من الذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين والسعودية، تستعد الصين للعمل مع الجانب السعودي من أجل تحقيق مزيد من التقدم في مختلف مجالات التبادل والتعاون، وإثراء المضمون الإستراتيجي للعلاقات الثنائية على نحو مستمر، بما يعود بالنفع على شعبي البلدين بشكل أفضل، ويسهم في ترسيخ السلام والتنمية في المنطقة، وفي بناء عالم أكثر ازدهاراً واستقراراً وشمولاً.
** **
بقلم: تشانغ هوا - سفير جمهورية الصين الشعبية لدى المملكة العربية السعودية