إبراهيم بن يوسف المالك
في الخطاب الإداري الحديث، تتكرر نصائح جاهزة تُقدَّم بوصفها حلولًا مباشرة للضغط والتوتر، مثل: «اهدأ»، «تنفّس بعمق»، أو «لا تقلق، الأمور ستسير على ما يرام». هذه العبارات قد تحمل نية طيبة، وقد تكون مفيدة في مواقف حياتية عادية، لكنها غالبًا ما تفشل عندما تُوجَّه إلى القيادات التنفيذية التي تعمل في بيئات شديدة التعقيد، حيث لا يكون التوتر ناتجًا عن انفعال عابر، بل عن مسؤولية واقعية تتطلب اتخاذ قرارات مصيرية في ظل غموض حقيقي.
القائد التنفيذي لا يعيش في عالم مكتمل المعطيات، ولا يتخذ قراراته في بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بمساراتها بسهولة. على العكس، هو يعمل في سياق تتداخل فيه المصالح، وتتناقض فيه التوقعات، وتُفرض فيه قرارات يجب اتخاذها قبل اكتمال الصورة. وفي مثل هذه البيئات، لا يصبح الضغط حالة نفسية يمكن تهدئتها بكلمات مطمئنة، بل نتيجة طبيعية لغياب اليقين وتعدد السيناريوهات المحتملة.
لهذا السبب، لا تكون الطمأنة قيمة بحد ذاتها في السياق القيادي، بل قد تتحول أحيانًا إلى عامل إضافي للتوتر. حين يُطلب من قائد أن يهدأ دون أن يُقدَّم له تفسير واضح لما يحدث، أو إطار منطقي لما هو قادم، يشعر وكأن أدواته المعرفية قد سُحبت منه. فالطمأنة التي لا ترافقها معلومات، ولا تسبقها قراءة واقعية للمشهد، لا تمنح القائد شعورًا بالأمان، بل تتركه في مواجهة فراغ تفسيري يزيد من القلق بدل أن يخففه.
ما يحتاجه القائد في لحظات الضغط ليس تهدئة عاطفية، بل وضوحًا معرفيًا. الفهم، لا الشعور، هو ما يعيد الاتزان. حين يدرك القائد طبيعة الموقف، وأسبابه، وحدوده، وما السيناريوهات الممكنة للتعامل معه، يستعيد قدرته على التماسك، حتى وإن ظل القرار صعبًا والمخاطر قائمة. الهدوء هنا لا يُستدعى بوصفه حالة نفسية، بل يظهر بوصفه نتيجة مباشرة لإدراك المشهد ووضعه في سياق مفهوم.
من هنا يمكن فهم سبب فشل كثير من أساليب التهدئة التقليدية مع القيادات العليا. فهي تنطلق من افتراض أن التوتر نابع من خوف شخصي أو قلق داخلي، بينما هو في الواقع نابع من غياب السياق أو ضبابية المسار. وعندما يُطلب من قائد أن «يطمئن» دون أن يُمنح خريطة ذهنية واضحة، يشعر بأن السيطرة قد انتُزعت منه، وهو أمر يتعارض مع طبيعة الدور القيادي الذي يقوم أساسًا على الفهم والتقدير وتحمل المسؤولية.
التحكم لدى القائد لا يعني السيطرة على المشاعر بقدر ما يعني السيطرة على الفهم. كلما اتسعت دائرة الإدراك، ضاق مجال الارتباك. وكلما غاب التفسير، اتسعت مساحة القلق. ولهذا نلاحظ أن كثيرًا من القادة يتحملون ضغوطًا جسدية ونفسية كبيرة، ويتعاملون مع أزمات معقدة دون انهيار، لكنهم يتفاعلون بشدة عندما يُطلب منهم قبول قرار أو إجراء دون شرح، أو الالتزام بمسار لا يملكون عنه صورة واضحة.
في هذا السياق، يصبح الوضوح أداة قيادة لا تقل أهمية عن الرؤية أو الحوكمة. والوضوح لا يعني تبسيط الواقع أو تجميله، بل وضعه في إطار مفهوم، حتى وإن كان قاسيًا أو غير مريح. فالقائد لا يحتاج إلى من يقول له إن كل شيء سيكون على ما يرام، بل إلى من يشرح له لماذا قد لا يكون كذلك، وما الخيارات المتاحة، وما حدود المخاطر، وكيف يمكن التعامل مع تبعات كل خيار.
الخلاصة أن الهدوء في القيادة التنفيذية ليس حالة وجدانية تُستجدى، بل نتيجة إدراكية تُبنى. القائد لا يبحث عن الطمأنينة بقدر ما يبحث عن المعنى، ولا عن الراحة بقدر ما يبحث عن السيطرة المعرفية على المشهد. وحين تتوافر هذه السيطرة، يأتي الهدوء من تلقاء نفسه، لا كغاية مستقلة، بل كأثر جانبي طبي.