عبود بن علي ال زاحم
في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن أحد يتوقع أن تجربة صناعية بسيطة في مصنع تابع لشركة Western Electric في منطقة هوثورن بمدينة شيكاغو ستتحول إلى واحدة من أهم النظريات المؤثرة في فهم السلوك التنظيمي. فقد أُجريت دراسات بإشراف عالم النفس الصناعي Elton Mayo لقياس أثر تغيير ظروف العمل - كالإضاءة وساعات الدوام - على إنتاجية الموظفين، لكن النتيجة الأعمق لم تكن في الضوء ولا في عدد الساعات، بل في شعور العاملين بأنهم محل اهتمام وملاحظة، وهو ما انعكس مباشرة على أدائهم. ومن هنا وُلد ما عُرف لاحقًا بـ «تأثير هوثورن».
هذا التأثير يختصر حقيقة إنسانية عميقة؛ الإنسان يتغير حين يشعر أنه مرئي، ويتحسن حين يشعر أن جهده محل تقدير. ليست كل زيادة في الأداء نتيجة تعديل تنظيمي أو قرار إداري، أحيانًا يكون السبب هو الانتباه ذاته. وهنا يبرز دور القيادة بوصفها العامل الأكثر تأثيرًا في تحويل هذا «الاهتمام المؤقت» إلى «ثقافة دائمة». فالقائد ليس فقط من يوجه العمل، بل من يحدد المناخ النفسي الذي يتحرك فيه الفريق. أسلوب القيادة، وطريقة المتابعة، ونبرة التوجيه، ومستوى الثقة الممنوحة، كلها عوامل تصنع فارقًا جوهريًا في سلوك الموظفين والتزامهم.
حين يقود المدير بأسلوب رقابي صارم، قد يتحسن الأداء ظاهريًا لكنه يظل هشًا ومؤقتًا، مرتبطًا بوجوده المباشر. أما حين يقود بأسلوب داعم يوازن بين الحزم والتمكين، فإن الأداء يصبح أكثر استقرارًا ونضجًا. القيادة الواعية تدرك أن الموظف لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الرقابة، بل إلى وضوح في التوقعات، وعدالة في التقييم، واعتراف صادق بالجهد. ومن هنا يصبح تأثير هوثورن ليس مجرد ظاهرة نفسية، بل مدخلًا لفهم كيف تصنع القيادة بيئة العمل.
في عالم الاستشارات الإدارية، يظهر هذا الأثر بوضوح. فعند دخول الاستشاري إلى منظمة ما، ترتفع وتيرة العمل، ويتزايد الانضباط، وتتحسن المؤشرات سريعًا. لكن القائد الذكي والاستشاري المحترف يدركان أن هذا التحسن قد يكون انعكاسًا مؤقتًا لشعور الفريق بالاهتمام، لا دليلًا كافيًا على نجاح الحلول. لذلك تصبح القيادة شريكًا أساسيًا في تثبيت التحسن وتحويله إلى ممارسة مستدامة.
ولتحقيق ذلك، تبرز مجموعة من الحلول العملية التي يمكن أن تحول تأثير الاهتمام إلى ثقافة عمل حقيقية. أولها بناء نظام متابعة يعتمد على الحوار لا التفتيش، بحيث تتحول الاجتماعات الدورية إلى منصات دعم وتطوير بدلًا من كونها أدوات رقابة. وثانيها ترسيخ ثقافة التقدير المؤسسي من خلال الاعتراف المنتظم بالإنجازات الصغيرة قبل الكبيرة، لأن التقدير المستمر يصنع دافعية تتجاوز أي حافز مادي مؤقت. وثالثها تعزيز الشفافية في الأهداف والمؤشرات، بحيث يفهم الموظف دوره في الصورة الكبرى، فيرتبط أداؤه بمعنى لا بمجرد مهمة. كما يشكل الاستثمار في تدريب القادة على مهارات الذكاء العاطفي والتواصل الفعّال ركيزة أساسية لضمان أن يكون الاهتمام حقيقيًا لا شكليًا.
ومن الحلول كذلك تصميم أنظمة تقييم أداء تركز على التطوير المستمر لا على المحاسبة فقط، إلى جانب إجراء قياسات دورية للمناخ التنظيمي لمعرفة ما إذا كان التحسن مستدامًا أم مرتبطًا بمرحلة معينة. وعندما تقترن هذه الحلول بقيادة واعية، يتحول تأثير هوثورن من ظاهرة مؤقتة إلى قوة إيجابية مستمرة تدعم الأداء المؤسسي.
في النهاية، لا يخبرنا تأثير هوثورن أن الناس يتحسنون تحت الملاحظة فحسب، بل يذكرنا بأن الإنسان في بيئة العمل يبحث عن معنى وقيمة قبل أن يبحث عن توجيه. وكل قيادة تدرك هذه الحقيقة تستطيع أن تحوّل الاهتمام من أداة تأثير عابرة إلى ثقافة راسخة تصنع الفارق الحقيقي. وحين يصبح التقدير أسلوب عمل، والمتابعة ثقافة، والثقة ممارسة يومية، يتحول الأداء من رد فعل مؤقت إلى التزام دائم، وتتحول القيادة من وظيفة إلى أثر.