د.حصة بنت زيد المفرح
حين تُكتب السيرة بوعي التفاصيل، لا تعود مجرد حكاية عن حياة فرد؛ إذ تتحول إلى مرآة تعكس ملامح مجتمع، بعاداته وقيمه وعلاقاته الإنسانية. ومن هنا، تكتسب السيرة أهميتها الثقافية؛ حين تحول حياة الفرد إلى مدخل لفهم المجتمع الذي نشأ فيه وتفاعل معه، وتصبح نافذة نطل منها على زمن كامل بتفاصيله الدقيقة.
في كتاب «نوف» تتجلى هذه الفكرة في الطريقة التي صاغت بها أ.د نورة الشملان سيرة صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. فالمؤلفة لا تتعامل مع السيرة بوصفها تسجيلًا للوقائع فحسب، وإنما تنظر إليها كبناء إنساني تتداخل فيه الذاكرة الشخصية مع الشهادات الجماعية والتفاصيل اليومية التي تشكل ملامح الحياة. ومن هذا المنهج، تبدو الشخصية في الكتاب جزءًا من نسيج اجتماعي أوسع، لا مجرد فرد معزول في مسار زمني ما.
وتظهر كاتبة السيرة في هذا العمل في موقع مزدوج؛ فهي حاضرة داخل السرد في علاقتها الشخصية بالأميرة نوف، لكنها في الوقت نفسه تفسح المجال لغيرها متحدثًا، وواصفًا، ومتممًا لبعض جوانب السيرة التي لم تكتمل بوقائع العلاقة الشخصية. ولعل هذه العلاقة الشخصية منحت الكاتبة فرصة الالتفات إلى هذه التفاصيل، وكشفت عن وعي بكتابة السيرة ووظيفتها في بنائها؛ فالتفاصيل ليست زينة للوقائع والأحداث بقدر ما كانت انعكاسًا لآثار التجربة الشخصية وانعكاساتها المباشرة.
ولعل من أبرز مظاهر المنهجية في الكتاب ما تجلى في اعتماد المؤلفة على أصوات مختلفة تروي السيرة، وتنقل الأثر الذي انطبع في ذاكرتها عنها، بين ذكريات مشتركة، ومواد وثائقية مختلفة، وصوت الشعر، وصوت المؤلفة نفسها.
غير أن الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح السيرة حيويتها ومصداقيتها يأخذ السيرة إلى مشاهد الحياة اليومية، إلى المجالس، وطقوس الضيافة في تقديم القهوة السعودية والشاي والبخور، وفي وصف اللباس المميز لمن يقدمنها، وهي إن بدت تفاصيل بسيطة لكنها تكشف عن جماليات العادات الاجتماعية وعمق حضورها.
ويمتد هذا الوعي بالتفاصيل إلى الحديث عن المناسبات الاجتماعية وطقوسها، ومنها بعض العادات الاجتماعية المرتبطة بالزواج كما في «التحوال»، وما امتد ليوثق العلاقات الاجتماعية والثقافية بين المجتمعات الخليجية من مظاهر الاحتفاء بالأغاني الوطنية، والرقصات الشعبية، وتنوع الأطباق المحلية، وملامح المجالس النسائية الخاصة، وغيرها من ملامح يجدها قارئ الكتاب فيه، كل ذلك جعل من السيرة لوحة اجتماعية وثقافية نابضة بالحياة.
ولعل ميزة هذه التفاصيل أنها تحول الأحداث المجردة إلى مشاهد حية، وإذا كان الحدث يمكن أن يبني الإطار التاريخي للشخصية فإن المشهد لا يكتفي بذكر ما حدث، وإنما يظهر كيف حدث؟ بحيث يرى القارئ ملامح الحياة التي أحاطت بالشخصية، لا مجرد الوقائع التي مرت بها. وحينها تتحول المجالس والعادات والمناسبات إلى عناصر تكشف روح المجتمع، لتتحول السيرة إلى ذاكرة جماعية؛ بما يجعلها أكثر صدقًا وتعددًا في الرؤية، ويحفظ الذاكرة الإنسانية للشخصية قبل أن يحفظ تاريخ حياتها.
ولا تكشف هذه التفاصيل ملامح المجتمع فحسب؛ إذ تضيء جوانب شخصية صاحبة السيرة نفسها، فطريقة استقبال الضيوف، وطبيعة المجالس، والاهتمام بالمناسبات الاجتماعية، كلها مؤشرات غير مباشرة على القيم التي كانت تحكم علاقتها بالآخرين، وعلى روح الانفتاح والكرم التي ميزت حضورها الاجتماعي.
وهكذا يبين هذا الكتاب أن كتابة السيرة لا تقوم على جمع الوقائع وحدها، لكنها تذهب إلى أبعد من ذلك بكتير حين تلتقط التفاصيل الإنسانية التي تمنح الحياة معناها، ومعها تتحول السيرة إلى نص إنساني يحتفظ بروح الزمن الذي كتبت عنه.