د. عبدالمحسن الرحيمي
نجدد الولاء لملهمنا، القائد الذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يعيد رسم صورة المملكة في العالم، وأن يقود مسيرة تحول جعلت اسم السعودية حاضراً في النقاشات الاقتصادية والسياسية الدولية.
وحين يحتفل السعوديون بذكرى البيعة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في ذكراها التاسعة، فإنهم لا يستحضرون مجرد مناسبة وطنية، بل يستحضرون تجربة قيادية أصبحت محل اهتمام عالمي، وتجربة تحول يتابعها الباحثون وصناع القرار في كثير من الدول.
الاحتفال بهذه الذكرى في التجربة السعودية ليست إجراءً بروتوكولياً يتكرر كل عام، بل علاقة ثقة تشكلت عبر تاريخ طويل بين القيادة والشعب.
ولهذا فإن لحظة تجديدها تحمل معنى يتجاوز الكلمات، لأنها تعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار الدولة وتقدمها مسؤولية مشتركة حين يقول السعوديون إن البيعة في أعناقهم، فهم يعبرون عن التزام يتجاوز التعبير الرمزي، التزام بالعمل من أجل الوطن وبالمشاركة في بناء مستقبله، وما يميز هذه المرحلة أن السعوديين يحتفلون بذكرى البيعة وهم يرون أمامهم تحولاً غير مسبوق في مسار الدولة.
قبل تسع سنوات كان الاقتصاد السعودي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، وكان كثير من القطاعات الجديدة في مراحلها الأولى. اليوم تغيرت الصورة بصورة واضحة. فقد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للمملكة تريليون دولار، وأصبحت مساهمة القطاعات غير النفطية تقارب نصف حجم الاقتصاد الوطني، وهو تحول مهم في بنية الاقتصاد السعودي.
كما شهدت المملكة توسعاً كبيراً في الاستثمارات والمشاريع الكبرى، وتحولت إلى واحدة من أكثر الاقتصادات نشاطاً في المنطقة. وفي قطاع السياحة تحديداً، سجلت المملكة نمواً سريعاً جعلها ضمن أسرع الوجهات السياحية نمواً في العالم، حيث تجاوز عدد الزوار في السنوات الأخيرة مائة مليون زائر، وهو رقم يعكس تحول المملكة إلى وجهة اقتصادية وثقافية عالمية.
لكن ما يلفت انتباه المراقبين في العالم ليس الأرقام وحدها، بل الأسلوب القيادي الذي يقود هذا التحول.
فقد أصبح اسم الأمير محمد بن سلمان مرتبطاً في كثير من التحليلات الدولية بنموذج قيادي شاب يمتلك رؤية واضحة وقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة في زمن قصير.
وقد تناولت صحف ومراكز دراسات غربية هذه التجربة بوصفها أحد أكثر مشاريع التحول الاقتصادي طموحاً في العالم المعاصر.
حتى حضور ولي العهد في اللقاءات الدولية أصبح جزءاً من المشهد السياسي العالمي. فالإعلام الدولي كثيراً ما يقرأ تصريحاته وإيماءاته خلال القمم والمنتديات الاقتصادية بوصفها تعبيراً عن ثقة قائد يعرف المسار الذي يقود إليه بلاده. وهذا الحضور القيادي جعل شخصية الأمير محمد بن سلمان محل اهتمام واسع في الصحافة العالمية، ليس فقط باعتباره مسؤولاً سياسياً، بل باعتباره قائد تحول اقتصادي وحضاري.
وعند النظر إلى هذه التجربة من زاوية فكرية أوسع، يمكن فهمها ضمن إطار ما يمكن تسميته بالمدرسة السعودية للقيادة الواعية.
فهذه التجربة لا تقوم فقط على إطلاق المشاريع، بل على فهم العلاقة بين الزمن والتحول والطاقات الكامنة داخل المجتمع.
أحد مفاهيم هذه المدرسة هو ذكاء التوقيت القيادي، أي القدرة على إطلاق التحولات الكبرى في اللحظة التاريخية المناسبة. فالعالم يعيش اليوم مرحلة انتقال اقتصادي نحو التقنيات المتقدمة والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة، وقد جاءت التحولات التي تقودها المملكة متزامنة مع هذه المرحلة العالمية.
أما المفهوم الثاني فهو الكمون القيادي، وهو قدرة القيادة على تفعيل الطاقات الكامنة داخل المجتمع. فالمجتمع السعودي يمتلك قاعدة بشرية شابة وطاقات اقتصادية كبيرة، وقد بدأت هذه الطاقات تظهر بصورة واضحة في مجالات ريادة الأعمال والابتكار والصناعات الجديدة.
وفي الوقت نفسه شهدت المملكة اهتماماً متزايداً بإحياء التراث والهوية الثقافية. فقد توسعت مشاريع تطوير المواقع التاريخية والمدن التراثية، وسُجلت مواقع سعودية جديدة في قائمة التراث العالمي، في إشارة واضحة إلى أن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن الجذور الحضارية للمجتمع.
هذه العناصر مجتمعة هي التي جعلت التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة محط اهتمام عالمي. فالمملكة لم تعد تُرى فقط كقوة في أسواق الطاقة، بل كاقتصاد صاعد ومركز استثماري وثقافي يزداد تأثيره في المنطقة والعالم.
ولهذا فإن تجديد الاحتفال بذكرى البيعة في هذه المرحلة يحمل معنى أعمق من مجرد مناسبة وطنية. فهو تعبير عن ثقة شعب بقيادته، وعن إدراك جماعي بأن الوطن يدخل مرحلة جديدة من تاريخه.
حين يجدد السعوديون الاحتفال بهذه الذكرى، فإنهم يجددون أيضاً العهد مع وطن بدأ قبل ثلاثة قرون، وما زال يمضي بثقة نحو المستقبل. إنها لحظة تختصر قصة دولة استطاعت أن تجمع بين الاستقرار والطموح، وبين الجذور التاريخية والتحول الاقتصادي.
ولهذا يبقى المعنى الأعمق لهذه اللحظة واضحاً في وجدان السعوديين:
أن ذكرى البيعة ليست كلمات تُقال، بل مسؤولية تُحمل في الأعناق، وثقة تُمنح لقيادة تقود الوطن نحو آفاق أوسع.