عبدالله بن كريم العطيات
في لحظات التحول الكبرى في الشرق الأوسط، لا تكون الأخطار دائمًا في الحروب المعلنة بقدر ما تكمن في الانجرار غير المحسوب إلى صراعات الآخرين. واليوم تقف دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار إستراتيجي بالغ الحساسية: كيف تحافظ على أمنها واستقرارها دون أن تتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة في صراع تتداخل فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية.
التوتر المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يخلق بيئة إقليمية شديدة الهشاشة. فالجغرافيا السياسية للخليج تجعل أي تصعيد كبير قريبًا من حدوده الحيوية، بل إن بعض مسارات الصراع قد تمر عبره مباشرة، سواء عبر الممرات البحرية أو البنية النفطية أو المجال الجوي. ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس مجرد توسع الصراع، بل انجراف الخليج نفسه إلى قلب المواجهة.
التاريخ الإقليمي يقدم درسًا واضحًا. ففي ثمانينيات القرن الماضي تحولت الحرب بين العراق وإيران إلى واحدة من أطول الحروب في المنطقة، واستنزفت قدرات الطرفين لسنوات طويلة، فيما بقيت آثارها السياسية والاقتصادية ممتدة لعقود. تلك التجربة التاريخية تذكِّر بأن الحروب الإقليمية عندما تشتعل يصعب احتواؤها بسرعة، وأن كلفتها لا تقف عند حدود المعارك، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي والأمن الإقليمي بأكمله.
من هذا المنظور، فإن مصلحة دول مجلس التعاون لا تكمن في الانخراط في مواجهة شاملة، بل في منع تحوّل الخليج إلى ساحة حرب. فالمنطقة تمثِّل أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة في العالم، وأي اضطراب واسع فيها سيؤثِّر مباشرة في الاقتصاد العالمي، كما سيخلق حالة عدم استقرار قد تستمر سنوات طويلة.
التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن الوطني من جهة، وتجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح من جهة أخرى. وهذا يتطلب قراءة إستراتيجية هادئة لا تنجر خلف مناخ التصعيد أو الخطابات المتشددة. فالقوة في السياسة ليست دائمًا في خوض الحروب، بل في القدرة على تجنبها عندما تكون كلفتها أعلى من مكاسبها.
كما أن استقرار الخليج لم يعد مسألة إقليمية فحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد العالمي. فالممرات البحرية الحيوية، ومنشآت الطاقة الكبرى، والبنية الاقتصادية المتشابكة تجعل أي مواجهة عسكرية واسعة في هذه المنطقة ذات تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية بكثير.من هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الوقائية التي تهدف إلى تخفيف التوترات الإقليمية بدل تأجيجها. فالسياسة الحكيمة تقوم على فتح قنوات الحوار، وإدارة الخلافات، وتجنب تحويل التنافس الإقليمي إلى صدام عسكري شامل. هذا النهج لا يعني التخلي عن القوة أو الردع، بل توظيفهما في إطار إستراتيجية أوسع تحافظ على الاستقرار.
في النهاية، يبقى الخيار الأذكى لدول الخليج هو الحفاظ على موقعها كقوة استقرار إقليمي، لا كطرف في حرب مفتوحة. فالتاريخ يثبت أن الدول التي تحافظ على توازنها الإستراتيجي وتجنّب شعوبها ويلات الحروب هي التي تخرج في النهاية أكثر قوة وتأثيرًا في النظام الإقليمي والدولي.