حمود السبيعي
منذ ثلاثة مواسم ومحافظة الخرج تلبس تاج الإبداع على يد شابٍ سعوديٍ مهذَّب، يملك روحًا جميلةً وحضورًا يسبق التعريف: الفنان التشكيلي نواف الغانم، ومن خلال صوته وتقاسيم وجهه تكتشف عمق استمتاعه بما يعمل، صوت لا يكتفي بسرد الحكاية، من خلال نافذة السناب شات، بل يمنحها نبضًا، كأن الكلمات ألوانٌ تُمسك بالمعنى وتضعه في مكانه الصحيح!
ما يفعله يشبه العرس الكبير الذي تتزيَّن به الخرج، عرس لا تُرفع فيه الزينات على الجدران فقط، بل تُرفع في القلوب، فالمشهد كله احتفاءٌ بالمكان وأهله: الشارع يلبس بهجته، والحيّ يستعيد بسمته، والبيوت كأنها تتزيَّن بالحنّاء التي لا تُعجن هذه المرّة في كف عروسٍ واحدة، بل في كف المدينة كلها، حنّاءٌ من دعواتٍ طيبة، ومن أيدٍ متطوعة تعرف كيف تجعل للفرح نظامًا وللمعنى هيبة.
ما أجمل الخرج وهي تتوج في ليلة «السابع عشر من رمضان»، حيث تخرج من صمت الأيام إلى ضوءٍ رَمضانيٍّ رقيق، تسرّح شعرها بنسيم المغرب، وتتعطّر برائحة القهوة والتمر، وتلبس ثوبها الأبيض من صفاء النوايا، الأزقّة أساورُها، والأبواب عقودُها، والمصابيح حُلِيٌّ تتدلّى لتشهد أن الفرح حين يكون جماعيًا يصبح أكثر وقارًا.
يمرّ «نواف» بين الناس كما يمرّ «سادن الفرح» ليضع كل تفصيلة في موضعها كأنها وردة في باقة: هنا مقعد للكبير كي لا يتعب، وهناك مساحةٌ للصغير كي يتعلم ويمرح، ورسوماتٌ خفيفة كأنها تواقيع فرح، وبيت شعرٍ ومقولات تمرّ على القلوب قبل العيون وتتبادل الوجوهُ هناك تهانيها، منها ما يُقال جهارًا فيصير دفء للمكان، ومنها ما يبقى صامتًا في العينين فيكون أصدق، تهنئةٌ بأننا ما زلنا نعرف بعضنا، وبأن الجيرة لم تفقد اسمها الحقيقي!
في رمضان، لا يقف «الغانم» عند حدود الفن بوصفه لوحة تُعلّق، بل يوسّع مفهومه ليصبح فعلًا يلامس الناس، يقيم مأدبة إفطار رمضانية جماعية، بمجهود شخصي وبمساندة بعض المتطوعين، على امتداد حارة في أحد الأحياء القديمة، ذلك المكان الذي كان يُعرف بـ «حي العقم» ثم جاءه التحديث فصار «حي السلام»، وكأن الاسم الجديد لم يكن مجرد لافتةٍ تُبدَّل، بل معنى يُستعاد: سلام بين الجيران، وسلام في القلوب، وسلام يصنعه حضور صادق يتجدد كل عام!
تمتد المائدة كما تمتد الحكاية: من بيتٍ إلى بيت، ومن يدٍ إلى يد، ومن قلبٍ إلى قلب، ويصبح الشارع في تلك الأمسية مجلسًا واحدًا يتساوى فيه الناس تحت ظلال الشهر الكريم، فلا علوّ إلا للمعنى، ولا تمييز إلا لمقدار ما تمنحه للآخرين، وتتعلم: أن الكرم ليس زيادةً في الطعام فحسب، بل زيادةٌ في المروءة، وفي رعاية الخاطر، وفي الإحسان وحسن الاستقبال، وما أجمل أن تكون المبادرة نابعة من روح فنانٍ تشكيلي، فالفن هنا لا يُرى بالعين فقط، بل يُلمَس بالسلوك، حيث يرسم لوحته الرمضانية خارج إطار القماش: يرسمها بالألفة، يظللها بالابتسامة، ويؤطرها بوعي اجتماعي يقدّر ذاكرة الحي!
ثلاثة مواسم وهو يثبت أن العمل الذي يولد من الذات الصادقة لا يحتاج إلا إخلاصًا وشغفًا كي يُرى ويكفيه أن يترك أثرً، وعندها تتحوّل حارةٌ كاملة إلى قصيدة، وإلى رواية اجتماعية نابضة من تلك الروايات التي لا تكتفي بوصف المكان، بل تنفخ فيه الروح، فتجعل البيوت الشعبية بطلًا، والناس حكاية، وتحوّل التفاصيل إلى معنى كبير فيغدو «حي السلام» لا اسمًا فقط، بل معنى يرى مائدة تُعيد للجيرة هيبتها، وتُرمّم ذاكرة المكان بالودّ والألفة، ولا يعود الشارع شارعًا، بل يصبح نصًّا مفتوحًا يكتبه الناس بأيديهم وضحكاتهم وحكاياتهم، رواية اجتماعية حيَّة على طريقة الحكايات والروايات الأدبية التي جعلت المكان يتكلم، وتتبدّل وظيفة الحارة: من ممرعابر إلى بيتٍ كبير، ومن تفاصيل يومية روتينية، إلى ثقافة تبقى، وتستعيد من خلاله لهجتها الأولى! ويتحول الإفطار إلى ذاكرة مشتركة، ودليل على أن أجمل ما يمكن أن يصنعه الإنسان، أن يترك في المكان مساحة أوسع للمحبة.
ومن هذا كله، تصبح الأمنيات في تكريم الفنان التشكيلي نواف الغانم لا لكونه صاحب مبادرةٍ جميلة، بل بكونه نموذجًا لما يمكن أن يصنعه الفرد حين يتحول الإخلاص إلى أثر اجتماعي ملموس، تكريمًا يليق بثلاثة مواسمٍ من العمل الشخصي، ويليق بمبادرة أعادت تعريف «السفرة» على أنها جسر بين البيوت، وسبب لتصافح القلوب، وتجسيد حيّ لقيمة السلام التي يحملها اسم الحي ومعناه.
فمثل هذه المبادرات حين تُحتفى رسميًا، لا تُفرح صاحبها وحده، بل تُعطي المجتمع كله رسالة واضحة: أن الخير يُرى، وأن من يزرع الألفة في الأزقة القديمة ويمنحها روحًا جديدة، يستحق أن يُشار إليه، ليكبر الأثر، ويظل رمضان مساحة تعلمنا كيف يكون الوطن بيتًا واحدًا، تعلوه صورة قائدنا الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين محمد بن سلمان.