بدرية المعجل
تُعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحصن الذي يجد فيه الإنسان السكينة والأمان. وكلما قامت هذه الأسرة على أسسٍ راسخة من المودة والرحمة والاحترام المتبادل، ازدادت قدرتها على مواجهة تقلّبات الحياة والتغلب على تحدياتها. فالبيوت التي تُبنى على التقوى ومخافة الله تكون أكثر ثباتًا واستقرارًا، لأنها تقوم على قيمٍ راسخة لا تتزعزع أمام المتغيرات.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ} (109) سورة التوبة، في إشارة إلى أن قوة البناء تبدأ من قوة الأساس.
غير أن بعض البيوت قد تتعرض لخطرٍ خفي يتسلَّل إليها دون أن يشعر أهلها بخطورته في بدايته، وهو ما يُعرف بـ التخبيب؛ أي السعي إلى الإفساد بين الزوجين أو بين أفراد الأسرة عبر إثارة الشكوك، أو تضخيم العيوب، أو بث المقارنات غير العادلة التي تُضعف الثقة وتزعزع الاستقرار.
ويأخذ التخبيب أشكالًا متعددة، قد تأتي أحيانًا تحت ستار النصيحة أو الاهتمام، بينما تحمل في طياتها آثارًا سلبية عميقة. ومن أبرز هذه الصور:
* المحب الكاذب الذي يظهر الود والحرص، بينما يخفي في داخله حسدًا أو رغبة في رؤية هذا الاستقرار يتلاشى.
* صديق المصلحة الذي يستغل الخلافات ليحقق مكاسب شخصية أو ليبسط نفوذه في حياة الآخرين.
* المتدخل الفضولي الذي يتجاوز حدود الخصوصية، فيتدخل في تفاصيل الحياة الزوجية دون إدراك لخطورة ذلك.
* الحاسد الذي لا يرضيه أن يرى نعمة الاستقرار في حياة غيره، فيسعى إلى تشويهها أو التقليل من قيمتها.
* القريب المتسلل بصفة القرابة، وهو أحيانًا الأخطر، لأنه يدخل البيت من باب الثقة، ثم يبدأ ببث المقارنات وإبراز العيوب والتقليل من شأن أحد الطرفين، حتى تتحول الكلمات العابرة إلى شرخٍ عميق في العلاقة.
وعند التأمل في واقع الأسر، يبرز تساؤل مهم: لماذا يسهل اختراق بعض البيوت بينما تبقى بيوت أخرى متماسكة رغم مرور السنين؟
الإجابة تكمن في قوة القواعد التي بُنيت عليها هذه البيوت. فالأسرة التي تقوم على الاحترام والثقة المتبادلة، وتحفظ خصوصيتها داخل جدرانها، ولا تسمح للآخرين بالتدخل في شؤونها، تكون أكثر قدرة على حماية نفسها من محاولات الإفساد.
كما أن الوعي الأسري يلعب دورًا مهمًا في تعزيز هذا الاستقرار، من خلال ترسيخ ثقافة الحوار بين الزوجين، وتعزيز الثقة، وتجنب نقل الخلافات إلى خارج نطاق الأسرة. فالبيوت التي تحفظ أسرارها ولا تُخرج خلافاتها إلى العلن غالبًا ما تكون أكثر استقرارًا وأطول عمرًا.
إن حماية الأسرة من التخبيب ليست مسؤولية فردٍ واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين جميع أفرادها، تبدأ ببناء علاقة قائمة على الاحترام والتقدير، وتنتهي بالحفاظ على خصوصية البيت وصون أسراره.
فحين يسود الوعي والمحبة داخل الأسرة، تصبح البيوت أكثر قوة وصلابة، وتبقى عامرة بالمودة والطمأنينة، قادرة على أداء دورها في بناء مجتمعٍ متماسك يسوده القيم والاستقرار.