د. عبود مصطفى عبود
منذ أكثر من عشرين يومًا، دخل الشرق الأوسط طورًا مختلفًا من الصراع؛ لم يعد التصعيد فيه احتمالًا يُناقش، بل واقعًا يُدار تحت ضغط اللحظة. وفي قلب هذا المشهد، تبرز حقيقة لا تقبل الالتباس: الاعتداءات الإيرانية - المباشرة أو عبر أدواتها - على الدول الخليجية ومنشآتها الحيوية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تمثل سلوكًا عدوانيًا منظمًا يستهدف زعزعة الاستقرار، لا مجرد تسجيل نقاط في صراع سياسي.
ما يجري ليس حادثًا عابرًا، بل محاولة لفرض معادلة إقليمية جديدة عبر الضغط الأمني واستهداف البنية التحتية الحساسة. غير أن ما يلفت النظر هنا ليس طبيعة الهجوم بقدر ما هو طبيعة الاستجابة. فالسعودية لم تتعامل مع هذه الاعتداءات برد فعل انفعالي، بل قدمت نموذجًا لدولة قوية تعرف متى ترد، وكيف ترد، ومتى تضبط إيقاع القوة.
وهنا يتجلى جوهر «الردع السعودي»: قوة حاضرة لا تحتاج إلى استعراض، وحكمة فاعلة لا تعني تراجعًا.
السعودية لا تُختبر في قدرتها على الرد، فهذه مسألة محسومة بحكم ما تمتلكه من إمكانات عسكرية وإستراتيجية، لكنها تُثبت - مرة بعد أخرى - أن الردع الحقيقي لا يقوم على الانفجار، بل على التحكم.
فالدولة التي تستطيع امتصاص الضربة، وتحافظ على استمرارية مؤسساتها، وتمنع خصمها من تحقيق هدفه الإستراتيجي، هي دولة تمارس أعلى درجات الردع، حتى دون إطلاق رصاصة.
وفي هذا السياق، تعمل القوات المسلحة السعودية ضمن معادلة دقيقة: جاهزية قتالية عالية، واستجابة فورية للتهديدات، وقدرة على تحييد المخاطر قبل أن تتحول إلى واقع مؤثر. هذه ليست مجرد كفاءة عسكرية، بل تعبير عن عقيدة دفاعية حديثة تدير التهديد بدل أن تنجرّ إليه.
كما أن دور التحالف العربي لا يمكن فصله عن هذا الإطار؛ فهو ليس أداة تصعيد، بل جزء من منظومة أوسع لحماية المجال الحيوي الخليجي، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للفوضى. إن ضبط هذا التوازن بين الفعل العسكري والهدف السياسي هو ما يمنح التحالف مشروعيته وفاعليته.
في المقابل، يكشف السلوك الإيراني عن نمط مختلف تمامًا: توسيع نطاق الحرب عبر خلق بؤر توتر، واستهداف غير مباشر للبنى الحيوية، ومحاولة استنزاف الخصوم دون الانخراط في مواجهة واضحة. هذا النمط، بطبيعته، لا ينتج استقرارًا، بل يُراكم الفوضى ويؤسس لصراع دائم منخفض الحدة.
وهنا تتضح المفارقة:
بين من يدير الصراع ليمنع انفلاته، ومن يغذّيه ليضمن استمراره.
السعودية، في هذا السياق، لا تدافع عن نفسها فقط، بل تدافع عن فكرة الدولة القوية الحكيمة في الإقليم: دولة قادرة، ومستقرة، تمتلك قرارها، وتفرض سيادتها دون أن تتحول إلى عامل فوضى. ومن هنا، فإن تأييدها لا ينبع من عاطفة محبتها فقط، بل من إدراكٍ إستراتيجي لطبيعة الصراع وحدوده.
حين تتحول القوة إلى أداة ضبط، لا أداة انفلات، تولد الدولة بمعناها الكامل.
وهذا ما تفعله السعودية اليوم، في لحظة يختبر فيها الإقليم معنى الدولة ذاته.