صبحي شبانة
في لحظات الاختبار الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بترساناتها العسكرية فحسب، بل بصلابة مواقفها وقدرتها على قراءة المشهد بأبعاده الاستراتيجية. وحين تتعرض المملكة العربية السعودية لاعتداءات متكررة عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي تطلقها إيران وأذرعها، فإن القضية تتجاوز حدود الاشتباك المباشر إلى معادلة أوسع تمسّ جوهر الأمن القومي العربي. هنا، تتقدم مصر بثقلها التاريخي والسياسي، لتؤكد أن أمن السعودية ليس شأنًا محليًا، بل ركيزة أساسية من ركائز استقرار المنطقة بأسرها.
العلاقات المصرية - السعودية لم تُبنَ على المصالح الآنية أو الحسابات الظرفية، بل تشكّلت عبر عقود طويلة من التفاعل العميق الذي جمع بين وحدة الجغرافيا وتكامل الدورين السياسي والاستراتيجي. فقد أدركت القاهرة والرياض، منذ وقت مبكر، أن التحديات التي تواجه العالم العربي أكبر من أن تتصدى لها دولة منفردة، وأن التنسيق بينهما ليس خيارًا، بل ضرورة تمليها طبيعة المرحلة وتعقيدات الإقليم.
وفي ظل التصعيد الإيراني الأخير، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر. فالهجمات التي تستهدف المنشآت الحيوية في المملكة لا تُعد مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل تحمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدودها المباشرة. إنها محاولات لزعزعة الاستقرار، والضغط على مراكز الثقل في المنطقة، وتهديد إمدادات الطاقة العالمية التي تعتمد عليها اقتصادات كبرى. ومن هنا، فإن الرد على هذه التهديدات لا يقتصر على الإجراءات الدفاعية، بل يمتد إلى بناء موقف عربي موحد يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المخاطر.
الموقف المصري في هذا السياق يأتي واضحًا لا لبس فيه؛ رفض قاطع لهذه الاعتداءات، ودعم كامل لحق المملكة في الدفاع عن أمنها وسيادتها. وهو موقف لا ينبع من مجاملة سياسية أو حسابات ضيقة، بل من رؤية استراتيجية تعتبر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. فالقاهرة، التي خبرت تقلبات الإقليم وخاضت معارك الحفاظ على استقرار الدولة، تدرك أن أي اختلال في توازن المنطقة سينعكس بشكل مباشر على أمنها ومصالحها الحيوية.
وليس هذا الموقف بجديد على مصر، التي طالما كانت في مقدمة الدول الداعمة لاستقرار محيطها العربي. فمنذ عقود، لعبت دورًا محوريًا في احتواء الأزمات، وتعزيز مسارات التهدئة، والدفع نحو حلول سياسية تحفظ وحدة الدول وتمنع انزلاقها إلى الفوضى. واليوم، تعود لتؤكد هذا الدور من خلال دعمها الثابت للمملكة، ووقوفها إلى جانبها في مواجهة التحديات المتصاعدة.
في المقابل، لم تكن السعودية يومًا بعيدة عن مصر في أوقات الشدة، بل كانت شريكًا رئيسيًا في دعم استقرارها وتعزيز قدرتها على تجاوز الأزمات. هذه العلاقة المتبادلة من الدعم والثقة صنعت نموذجًا فريدًا في العلاقات العربية، قائمًا على الإدراك المشترك بأن قوة أحد الطرفين تعني بالضرورة قوة الآخر، وأن استقرارهما معًا يشكل حجر الأساس لاستقرار المنطقة.
إن الاعتداءات الإيرانية، مهما تصاعدت وتيرتها، لن تنجح في كسر هذه المعادلة، بل ستدفع نحو مزيد من التماسك والتنسيق بين القاهرة والرياض. فالتحديات الكبرى لا تضعف التحالفات الحقيقية، بل تكشف صلابتها وتدفعها إلى التطور. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد تعميقًا أكبر للتعاون بين البلدين، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي، بما يعزز من قدرتهما على مواجهة التحديات المشتركة.
كما أن هذا التنسيق لا يقتصر على البعد الثنائي، بل يمتد ليشكل نواة لتحرك عربي أوسع، يعيد صياغة مفهوم الأمن الجماعي، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التعاون والتكامل بدلًا من التشتت والانقسام. فالعالم العربي، الذي يواجه تحديات غير مسبوقة، بحاجة إلى نماذج ناجحة تُعيد الثقة في قدرته على الفعل والتأثير، والعلاقة المصرية - السعودية تمثل أحد أبرز هذه النماذج.
في النهاية، تبقى مصر والسعودية جناحي الأمة العربية، إذا اشتد الخطر حلّقتا معًا، وإذا تعاظمت التحديات تماسكتا أكثر. وبين القاهرة والرياض، لا تُقاس العلاقات بميزان اللحظة، بل بعمق التاريخ ورسوخ الثقة. وفي مواجهة رهانات الفوضى ومحاولات زعزعة الاستقرار، يظل هذا التحالف عنوانًا للقوة، ورسالة واضحة بأن الأمن العربي ليس ساحة مفتوحة، بل منظومة قادرة على الدفاع عن نفسها وصون مقدراتها.