العميد م. أحمد حامد الوادعي
لم يعد بالإمكان تجاهل النهج التصعيدي الذي تنتهجه إيران تجاه دول الجوار في تحدٍ صارخ لكل الدعوات الإقليمية والدولية التي طالبتها بالكف عن تدخلاتها العدائية واحترام سيادة الدول. فالهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ لم تعد حوادث معزولة بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تضرب أمن المنطقة في الصميم وتهدد استقرارها بشكل مباشر.
إن استهداف المنشآت المدنية ومواقع الطاقة والبنية التحتية الحيوية يشكل انتهاكًا فاضحًا لكل الأعراف والقوانين الدولية ويعكس استهتارًا غير مسبوق بأرواح المدنيين ومقدرات الشعوب. هذه الاعتداءات لم تخلّف ضحايا وإصابات فحسب بل فجّرت موجة غضب شعبي واسعة، ورسّخت قناعة متنامية بأن هذا السلوك لم يعد ممكنًا السكوت عنه أو التعايش معه.
استمرار إيران في هذا المسار التصادمي لن يقود إلا إلى نتيجة واحدة: مزيد من العزلة والانكفاء. فالدول المعنية بحماية أمنها القومي لن تقف مكتوفة الأيدي بل ستتجه نحو خيارات حازمة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية ما يعني أن طهران ستدفع ثمنًا باهظًا قد يعيدها سنوات إلى الوراء.
الأخطر من ذلك، هو الأثر العميق لهذا التصعيد على العلاقات بين الشعوب حيث تتصاعد مشاعر الرفض والعداء تجاه السياسات الإيرانية بما ينذر بتحول إيران إلى كيان منبوذ إقليميًا، على غرار ما حدث مع جماعة الحوثي حين قادت ممارساتها إلى فقدان أي تعاطف شعبي أو إقليمي.
ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، بل تمتد لتطال الإيرانيين أنفسهم في الداخل والخارج. فالمواطن الإيراني، الباحث عن الاستقرار أو الفرص الاقتصادية قد يجد نفسه أول المتضررين من سياسات حكومته. وفي مراكز اقتصادية بارزة مثل دبي التي يقطنها أكثر من 600 الف مواطن إيراني مستثمر فيها حيث تنشط الاستثمارات الإيرانية قد تتجه الحكومات خاص حكومة أبو ظبي إلى إعادة تقييم هذا الوجود في ظل مخاوف متزايدة من توظيف العوائد الاقتصادية لخدمة أجندات سياسية معادية.
الرسالة التي تتشكل اليوم في وعي المنطقة باتت واضحة وحاسمة: من يهدد الأمن الإقليمي ويمس استقرار الشعوب لن يكون شريكًا مرحبًا به لا سياسيًا ولا اقتصاديًا. وما لم تُقدم ايران على مراجعة جذرية لسياساتها فإنها تمضي بخطى متسارعة نحو خسارة محيطها وعزل نفسها عن واقع إقليمي لم يعد يقبل بسياسات فرض الأمر الواقع أو تصدير الأزمات.
المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تنتصر لغة العقل واحترام السيادة أو يستمر التصعيد الذي لن يحصد في نهايته سوى الخسائر للجميع وفي مقدمتهم من اختار إشعال هذه الأزمة.