د. عيسى محمد العميري
لعل في اختلاف مسارات نقل الطاقة في دول الخليج العربي. أمراً بالغ الأهمية في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج العربي والحرب القائمة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وبالتالي فإن الحديث بقوة عن أهمية البحث عن بدائل استراتيجية لنقل الطاقة بعيداً عن مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي يعد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. فالمضيق تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وعلى استقرار الأسواق الدولية.
لقد أظهرت الأزمة الحالية مدى حساسية الاعتماد الكبير على هذا الممر البحري، إذ إن مجرد التهديد بإغلاقه أو تعطيل حركة السفن فيه يثير قلقاً واسعاً لدى الدول المستوردة للطاقة في مختلف أنحاء العالم. ومن هنا برزت الحاجة الملحة إلى تطوير منظومة بديلة ومتنوعة لنقل النفط والغاز، بما يضمن استمرار تدفق الطاقة حتى في أوقات الأزمات والصراعات. وبالتالي فإنه ومن أبرز البدائل التي بدأت دول الخليج العمل على تطويرها خلال السنوات الماضية إنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط بعيداً عن المضيق.
فعلى سبيل المثال، تمتلك المملكة العربية السعودية شبكة من خطوط الأنابيب التي تنقل النفط من حقولها الشرقية إلى موانئها على البحر الأحمر، وهو ما يسمح بتصدير النفط دون الحاجة للمرور عبر مضيق هرمز. كما طورت الإمارات العربية المتحدة خط أنابيب يصل حقول النفط في أبوظبي بميناء الفجيرة على بحر العرب، وهو ما يوفر منفذاً مباشراً للصادرات النفطية بعيداً عن المضيق. وهنا تبرز أيضاً أهمية تطوير الموانئ الواقعة على البحر الأحمر وبحر العرب كجزء من استراتيجية تنويع مسارات الطاقة.
فهذه الموانئ تمثل بوابة بديلة للأسواق العالمية، كما تتيح فرصاً أكبر للتكامل الاقتصادي والتجاري بين دول الخليج والدول العربية المجاورة. وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل التعاون مع دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر ركيزة أساسية لتعزيز أمن الطاقة في المنطقة، خصوصاً عبر الاستفادة من الممرات البحرية في البحر الأحمر.
إلى جانب ذلك، تتجه بعض الدول إلى دراسة مشاريع لمد خطوط أنابيب إقليمية تربط الخليج العربي بموانئ خارج منطقة التوترات، سواء عبر الأراضي العربية أو عبر شراكات إقليمية أوسع. فالتكامل في البنية التحتية للطاقة يمكن أن يخلق شبكة نقل أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع الأزمات.
ولا يقتصر البحث عن البدائل على خطوط الأنابيب فقط، بل يشمل أيضاً تطوير قدرات التخزين الاستراتيجي للنفط في موانئ ومراكز توزيع عالمية، بحيث يمكن استخدام هذه المخزونات لتخفيف آثار أي اضطرابات مؤقتة في حركة الإمدادات. كما أن الاستثمار في تقنيات الطاقة المتجددة قد يسهم على المدى الطويل في تقليل الاعتماد العالمي على النفط المنقول عبر الممرات البحرية الحساسة.
ومن جانب آخر، هنا وفي ضوء التحديات الراهنة، يبدو واضحاً أن دول الخليج العربي مطالبة بتسريع خطواتها نحو بناء منظومة متكاملة لنقل الطاقة تعتمد على تعدد المسارات وتنوع الوسائل. فالعالم الذي يشهد توترات متزايدة يحتاج إلى حلول مبتكرة تضمن استمرار تدفق الطاقة بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية، وتحافظ في الوقت ذاته على استقرار الاقتصاد العالمي.. والله ولي التوفيق.
***
- كاتب كويتي