عماد بن حمود الرحبي
لم تعدْ معاناةُ كثيرٍ من الناسِ مع المعيشةِ مرتبطةً بالأزماتِ الكبيرةِ فقط، بل أصبحتْ تبدأُ من التفاصيلِ اليوميةِ الصغيرةِ التي تتكررُ بصمتٍ حتى تُرهقَ النفسَ وتضغطَ على الميزانيةِ؛ فالقضيةُ اليومَ ليستْ في الإنفاقِ الاستثنائيِ وحدَهُ، بل في ذلكَ الاستنزافِ المتدرجِ الذي يصيبُ الأسرةَ والفردَ معًا: فاتورةٌ هنا، واحتياجٌ هناكَ، وخدمةٌ ارتفعَ ثمنُها، ومصروفٌ يوميٌ لم يعدْ كما كانَ؛ ولهذا لم يعدِ الحديثُ عن كلفةِ الحياةِ حديثًا نظريًا، بل صارَ جزءًا من نقاشِ الناسِ اليوميِ، ومن قلقِهم المشروعِ على قدرتِهم على التوازنِ بينَ الدخلِ والالتزاماتِ؛ وتشيرُ أحدثُ بياناتِ المركزِ الوطنيِ للإحصاءِ والمعلوماتِ إلى أنَّ التضخمَ السنويَّ في سلطنةِ عُمانَ بلغَ 1.4 % في يناير 2026 مقارنةً بالشهرِ نفسِهِ من العامِ السابقِ.
وقد تبدو بعضُ النسبِ في ظاهرِها محدودةً، لكنَّ أثرَها الحقيقيَّ يظهرُ حينَ تتراكمُ على حياةِ الناسِ العمليةِ؛ فالأرقامُ الرسميةُ نفسُها تُظهرُ أنَّ بعضَ المجموعاتِ كانتْ أعلى من المتوسطِ العامِ بكثيرٍ؛ إذ سجلتْ مجموعةُ السلعِ الشخصيةِ المتنوعةِ والخدماتِ ارتفاعًا بلغَ 13.2 %، كما ارتفعتِ المطاعمُ والفنادقُ بنسبةِ 5.9 %، في حينِ سجلتْ مجموعةُ الأغذيةِ والمشروباتِ غيرِ الكحوليةِ ارتفاعًا قدرُهُ 0.9 %؛ وهذهِ الأرقامُ لا تُقرأُ فقط بلغةِ الاقتصادِ، بل بلغةِ الحياةِ اليوميةِ أيضًا، لأنَّ المواطنَ والمقيمَ لا يواجهانِ «متوسطَ التضخمِ» كرقمٍ مجردٍ، بل يواجهانِ أسعارًا وخدماتٍ ومصاريفَ تتكررُ في يومِهما العاديِ.
والمشكلةُ أنَّ الضغطَ المعيشيَّ لا يأتي دائمًا من بندٍ واحدٍ واضحٍ يمكنُ عزلُهُ، بل من شعورٍ عامٍ بأنَّ أشياءَ كثيرةً أصبحتْ أثقلَ مما كانتْ عليهِ؛ فحينَ ترتفعُ كلفةُ بعضِ الخدماتِ، ويزدادُ الإنفاقُ على الاحتياجاتِ الشخصيةِ أو الوجباتِ الجاهزةِ أو الالتزاماتِ المتفرقةِ، لا يشعرُ الإنسانُ فقط بأنَّ المالَ يخرجُ بسرعةٍ، بل يشعرُ أيضًا بأنَّ مساحةَ الأمانِ الماليِ تضيقُ، وأنَّ هامشَ الادخارِ أو الطوارئِ أو حتى الراحةِ النفسيةِ لم يعدْ كما كانَ؛ وهنا يتحولُ الأمرُ من حساباتٍ شهريةٍ إلى أثرٍ نفسيٍ واجتماعيٍ واضحٍ، لأنَّ الضغوطَ الاقتصاديةَ حينَ تتكررُ تنعكسُ على المزاجِ، وعلى العلاقاتِ، وعلى الشعورِ العامِ بالاستقرارِ.
ولذلكَ فإنَّ الحديثَ عن المعيشةِ لا ينبغي أن يُختزلَ في سؤالِ: «هلِ الأسعارُ مرتفعةٌ أم لا؟» بل ينبغي أن يمتدَّ إلى سؤالٍ أعمقَ: «كيفَ يعيشُ الناسُ أثرَ هذهِ الأسعارِ في واقعِهم؟» فهناكَ فرقٌ بينَ قراءةِ المؤشرِ، وبينَ معايشةِ ما وراءَ المؤشرِ؛ قد تتماسكُ الأرقامُ على المستوى العامِ، لكنَّ الإنسانَ البسيطَ يقيسُ الأمرَ بطريقةٍ أخرى: كم بقيَ من الراتبِ؟ كم صارتْ تكلفتهُ اليوميةُ؟ كم يستطيعُ أن يدخرَ؟ وكم مرةً يؤجلُ احتياجًا لأنهُ لم يعدْ أولويةً أمامَ التزاماتٍ أكثرَ إلحاحًا؟
ولا يعني هذا النظرُ إلى الواقعِ بعينِ التشاؤمِ، بل بعينِ الوعيِ؛ فالمجتمعاتُ التي تناقشُ معيشتَها بصدقٍ لا تشتكي عبثًا، وإنما تحاولُ أن تحميَ توازنَها الداخليَّ؛ ومن المهمِ هنا أن يظلَّ النقاشُ حولَ المعيشةِ نقاشًا مسؤولًا، لا يقومُ على التهويلِ، ولا على التجميلِ المبالغِ فيهِ أيضًا؛ فالناسُ لا يطلبونَ المستحيلَ، بل يطلبونَ ما هو أبسطُ وأعمقُ: أن تبقى الحياةُ محتملةً، وأن يظلَّ الدخلُ قادرًا على حملِ الضرورياتِ بكرامةٍ، وألا تتحولَ المتطلباتُ الأساسيةُ إلى مصدرِ قلقٍ دائمٍ.
كما أنَّ الوعيَ الفرديَّ يظلُّ جزءًا مهمًا من الحلِ، من خلالِ ترشيدِ الاستهلاكِ، ومراجعةِ الأولوياتِ، والتمييزِ بينَ الحاجةِ والرغبةِ، والابتعادِ عن بعضِ الأنماطِ الاستهلاكيةِ التي تستنزفُ الدخلَ دونَ ضرورةٍ؛ لكنَّ هذا الوعيَ، على أهميتهِ، لا يلغي حقيقةَ أنَّ المجتمعَ يحتاجُ أيضًا إلى متابعةٍ مستمرةٍ لحركةِ الأسعارِ والخدماتِ، وإلى حمايةِ القوةِ الشرائيةِ، وإلى سياساتٍ تعززُ التوازنَ بينَ النموِ الاقتصاديِ وجُودةِ الحياةِ اليوميةِ.
إنَّ قوةَ المجتمعِ لا تُقاسُ فقط بما يملكهُ من مشاريعَ كبرى، بل أيضًا بقدرتهِ على أن يجعلَ الحياةَ اليوميةَ أقلَّ قسوةً على الناسِ؛ فحينَ يشعرُ الإنسانُ أنَّ راتبَهُ يكفيهِ بكرامةٍ، وأنَّ أساسياتِهِ ليستْ عبئًا خانقًا، وأنَّ مستقبلَهُ ليسَ محاصرًا بالتكاليفِ من كلِّ جهةٍ، فإنهُ يصبحُ أكثرَ طمأنينةً، وأكثرَ إنتاجًا، وأكثرَ ثقةً في يومهِ ووطنهِ.
وفي النهايةِ، تبقى المعيشةُ الكريمةُ ليستْ رفاهيةً، بل أساسًا من أسسِ الاستقرارِ الاجتماعيِ؛ وما أحوجَنا دائمًا إلى أن ننظرَ إلى الأرقامِ من خلالِ الإنسانِ، لا أن ننظرَ إلى الإنسانِ من خلالِ الأرقامِ.