منى السعدي
في الآونة الأخيرة تفشى داء فتَّاك في جسد الأمة العربية والإسلامية وهو داء الفرقة وما أدراك ما الفرقة؟ تلك التي أفقدت الأمة بوصلتها في بناء أوطانها وأنسكتها عظمة الأرض التي عاشت عليها بكرامة وعزة وجاه عبر التاريخ.
لقد تبلور الاختلاف اليوم على كافة الأصعدة ووقف البعض حائراً بين نداء لم الشمل وبين الانجراف خلف تيارات التشتت ليبرز السؤال الملح ما هو المصير؟
إن المتأمل في واقعنا يجد أسباباً عميقة وراء هذه التفرُّقات يأتي في مقدمتها التعصب الفكري والمذهبي الذي جنح بالكثيرين نحو حصر الصواب في جهة واحدة وإقصاء الآخر إضافة إلى تغليب المصالح الضيِّقة بتقديم مصلحة الجماعة أو الحزب على مصلحة الوطن الكبرى فضلاً عن الجهل بالتاريخ المشترك الذي جمعهم لقرون والتركيز على خلافات عابرة أججتها تدخلات خارجية تستفيد من سياسة إضعاف القوى.
وكانت النتيجة الحتمية لكل ذلك هي استنزاف الثروات في صراعات التفكيك والتخريب في بعض الدول بدلاً من توجيهها للتنمية والتعليم والبناء مما خلق بيئة طاردة للعقول المبدعة تسببت في نقص حاد للكوادر وأضعفت هيبة بعض الأوطان وحضوره في المحافل الدولية، بل أضعفت القدرة عند البعض على الدفاع عن القضايا المصيرية.
وفي ظل وجود جماعات ملتهبة بالخراب تبث الحقد والكراهية نجد أن العالم اليوم لا يعترف إلا بلغة الوحدة والتكاتف والتطور الاقتصادي وقوة الصد للتحديات المشتركة كالتغير المناخي والأمن الغذائي وغيره.
وفي هذا الخضم يبرز التماسك الخليجي كضرورة إستراتيجية تتطلب أقصى درجات التلاحم والاحترام المتبادل فالحفاظ على وحدة الصف وتجاوز التحديات بروح التكاتف هو الضمانة الحقيقية لإفشال مخططات التجزئة، حيث يثبت التاريخ أن أي محاولة للتغريد خارج سرب الوحدة لا تخدم إلا المتربصين بأمننا واستقرارنا.
وهنا يجب أن نعي تماماً أن لكل دولة مقومات تمكنها من الصدارة وعلى رأس هذه الدول تقف المملكة العربية السعودية كنموذج رائد لم يأت منه إلا كل خير، حيث كانت ولا تزال سبَّاقة للخير منذ القدم ومواقفها مع جميع الدول بكافة أطيافها تشهد على ذلك سواء عبر الدعم الاقتصادي السخي والسياسي المحنك والمبادرات الإنسانية والإغاثية التي لا تتوقف.
إن الاختلاف مع المملكة يجب أن يُبنى على الإثراء لا النزاع، فالسعودية هي عمق الأمة وصمام أمانها وتاريخها يبرهن على أنها يد تبني ولا تهدم وتجمع ولا تفرِّق.
وفي الختام فإن الفرقة والانقسامات لن تغني وتسمن الأجيال القادمة، بل ستتركها عرضة لمزيد من التفكك والضياع وهو المشهد المؤلم الذي نراه اليوم في اليمن والعراق ولبنان والسودان وغيرها.
إن الحكمة تقتضي أن تدرك الشعوب والدول أن مستقبلها مرهون بوحدتها وأن طريق الازدهار يبدأ من الكف عن النزاع والالتفاف حول من يبني ويعمر ويغيث.