فاطمة الجباري
لكن وجعه يبقى حيًّا فينا، كأنّه نبضٌ خفيّ يسكن أعماقنا، لا يُرى لكنه يُوجِع.
في زوايا الذاكرة يقف الأب..
ليس كما كان في صخب الحياة، بل في سكون الغياب، أكثر حضورًا، أكثر عمقًا، وأكثر وجعًا.
نسترجع صوته، ملامحه، صبره الطويل.. فنكتشف متأخرين كم كان قلبه واسعًا، وكم كنا صغارًا أمام عظمته.
الآباء لا يشتكون كثيرًا..
يبتلعون تعبهم بصمت، ويخفون انكساراتهم خلف ابتسامةٍ مطمئنة، كأنهم خُلقوا ليكونوا جدارًا لا يتصدّع.
لكن الحقيقة التي لا ندركها إلا بعد فوات الأوان أن لذلك الجدار قلبًا، وأن لذلك الصبر حدًا، وأن لذلك الحنان ثمنًا يدفعونه من أعمارهم وأعصابهم وأحلامهم.
كم مرةً أخطأنا؟
كم مرة رفعنا أصواتنا ظنًا أننا على حق؟
كم مرة تأخرنا عن كلمة «شكرًا» أو «سامحني»؟
وكم مرة مررنا بجانبه دون أن ننتبه أن عينيه كانت تبحث عنا.. لا لتعاتبنا، بل لتطمئن؟
وجع الآباء ليس في قسوة الأبناء..
بل في خيبات الأمل الصغيرة التي تتراكم في صدورهم، في تلك اللحظات التي يشعرون فيها أنهم لم يعودوا كما كانوا في عيوننا.
أنهم كبروا.. لا في العمر فقط، بل في وحدتهم أيضًا.
الأب الذي كان يسهر لأجلنا،
يتألم بصمت،
يتحمّل تقلباتنا،
ويغفر زلاتنا قبل أن نعتذر..
كان ينتظر منا فقط أن نكون بقربه، أن نبادله بعضًا من ذلك الحنان الذي أغدقه علينا دون حساب.
لكننا تأخرنا..
تأخرنا كثيرًا.
رحل..
وأخذ معه فرصة الاعتذار،
وأغلق بابًا كنا نظن أنه سيبقى مفتوحًا إلى الأبد.
الآن فقط نفهم..
أن «سامحني» التي لم نقلها، أثقل من كل الكلمات التي قيلت.
وأن دمعة في عينه، كنا سببها، لا يمحوها الزمن ولا يغفرها النسيان.
يا وجع القلوب حين تصحو متأخرة..
ويا ثقل الندم حين لا يجد طريقًا للعودة.
الآباء لا يحتاجون الكثير..
قليل من البر، قليل من اللين، قليل من الاحتواء..
لكن هذا «القليل» هو كل شيء بالنسبة لهم.
فإن كانوا بيننا..
فلنُسرع إليهم قبل أن يصبح الحنين وجعًا لا يُحتمل،
وقبل أن تتحول الكلمات إلى أمنياتٍ مستحيلة.
وإن رحلوا..
فلنُكثر لهم من الدعاء،
ولنحمل وصاياهم في قلوبنا،
علّ الله يغفر لنا تقصيرنا،
ويجعل حبهم شفيعًا لنا يوم لا ينفع الندم.
فالراحل لا يعود..
لكن أثره،
ودمعته،
ووجعه..
يبقى فينا ما حيينا..