د. عبدالله علي بانخر
لم يكن نقل شعائر الصلوات والمناسك من الحرمين الشريفين يوماً مجرد مهمة إعلامية عادية، بل هو «أمانة مقدسة» وقصة نجاح سعودية بدأت فصولها مع فجر الدولة، وتطورت لتصبح اليوم نموذجاً عالمياً ملهماً في توظيف التكنولوجيا لخدمة العقيدة والمكان. إن ما نعيشه اليوم من دقة سينمائية وبث حي عالي الجودة هو تتويج لمسيرة هندسية وبشرية ممتدة عبر الأجيال، تعكس مكانة المملكة العربية السعودية وقبلة المسلمين.
امتنان وعرفان للقيادة والسواعد الوطنية
وفي هذا المقام، نرفع أسمى آيات الشكر والتقدير والامتنان لمقام سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -أيدهما الله-، لدعمهما السخي الذي جعل من الحرمين الشريفين منارة رقمية تصل رسالتها السامية لكل إنسان بوضوح تام وجاذبية إبداعية.
كما يمتد التقدير والامتنان لكافة القيادات والمسؤولين الذين تعاقبوا على هذا الملف منذ تأسيس الدولة السعودية وحتى يومنا هذا، وإلى كل السواعد الوطنية المخلصة ومساعديهم من العرب والمسلمين؛ من أكبر مسؤول خطط ورسم الاستراتيجيات، إلى أصغر موظف وتقني وفني عمل خلف الكاميرات وغرف التحكم في السابق والحاضر، والذين سيواصلون المسيرة في المستقبل. إنهم جميعاً شركاء في تحقيق هذا الإنجاز الإعلامي السعودي العالمي الذي نفخر به.
محطات في ذاكرة النقل الإعلامي
وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى البدايات التاريخية لهذا المنجز، نستحضر يوم السابع من يوليو عام 1965م، حين كان التلفزيون السعودي في مهده، حيث كان البث يقتصر على نقل صوت الصلاة عبر الأثير الإذاعي مع عرض صور ثابتة على شاشة التلفاز. ومع تطور الإمكانات، انتقلت القناة السعودية الأولى لبث صلوات العصر والمغرب والعشاء على الهواء مباشرة، وهي المرحلة التي شهدت تحديات مهنية كبيرة؛ إذ كان يتوجب إيقاف البث البرامجي لمدد تراوح بين 20 إلى 30 دقيقة لكل صلاة، وهو تحدٍ كان يُدار بحكمة بالغة لتقديم «الروحاني» على «الزمني»، وإشكاليات الزحف البرامجي والتنقل بين القناة الأولى والثانية وإشكاليات البث الأرضي والرقمي والفضائي من التقليدي الأرضي إلى الريادة الرقمية.
وجاء التحول الفضائي الشامل في يوليو عام 1992م عبر القمر الصناعي (عرب سات)، ليعلن دخول الإعلام السعودي عصر البث العالمي العابر للحدود، وصولاً إلى الحل الجذري والعبقري في عام 2009م بإطلاق قناتي القرآن الكريم و السنة النبوية، اللتين جعلتا العالم بأسره «جاراً» للحرمين على مدار الساعة. علاوة علي قياسات المشاهدة ثانية بثانية لنجد قناتي القرآن والسنة تتصدران بدقة المشهد الإعلامي للمحتوي من قبل إحصائيات المشاهدة التليفزيونية عبر شركة التصنيف الإعلامي بدقة متناهية وبمواصفات عالمية.
إن هذا المنجز هو تجسيد حي لـ «اقتصاديات الإبداع الإعلامي السعودي» في أبهى صورها؛ حيث تلاقت القدسية الروحانية مع التقنية الرقمية، والجهد البشري المخلص مع الدعم القيادي السخي، لنقدم للعالم أجمع صورة مشرفة تليق بريادة الإعلام السعودي عالمياً.