د.شامان حامد
لم يبدأ الطب في غرفة العمليات الحديثة، ولا في مختبرات الذكاء الاصطناعي، بل بدأ قبل آلاف السنين حين حاول الإنسان أن يضع قواعد أخلاقية للمعرفة الطبية، الذي لم يعد في الطب مجرد أداة تحليلية تعمل في الخلفية خلف الشاشات، بل أصبح حاضراً في لحظة القرار ذاتها؛ في غرف الطوارئ، وفي أنظمة دعم التشخيص، وفي منصات تقييم المخاطر التي قد ترجّح خياراً علاجياً على آخر، لنجد أنفسنا أمام تساؤل أخلاقي يعيدنا آلاف السنين إلى الوراء، فمن قوانين حمورابي إلى قسم أبقراط الذي وضع مبدأ «عدم الإضرار»، وصولاً إلى ابن سينا الذي اشترط اقتران المعرفة الطبية بالحكمة والضمير الإنساني في كتابه الشهير القانون في الطب، حيث جمع بين المعرفة العلمية والحكمة الإنسانية. كانت القوانين المنقوشة على ألواح طينية تربط الفعل الطبي بنتيجته، وتحدد المسؤولية القانونية للطبيب إذا أخطأ أو تسبب بضرر للمريض.
لم تكن تلك النصوص مجرد قوانين عقابية، بل كانت إعلاناً مبكراً بأن الممارسة الطبية ليست مهارة تقنية فقط، بل مسؤولية أخلاقية انتقل فيها الضمير الطبي إلى قلب الخوارزميات فارضاً حبور وتحديات أخلاقية جسيمة؛ فالذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً حسابياً، لكنه يفتقر للقدرة على فهم الإنسان بكل تعقيداته، واليوم، مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الطوارئ وأنظمة التشخيص، يعود السؤال الأخلاقي القديم بصيغة جديدة: كيف يمكن لخوارزمية أن تعمل داخل منظومة أخلاقية صاغتها قرون من التجربة الإنسانية؟.
في دراسة حديثة نُشرت في فبراير 2026 بمجلة «الذكاء الاصطناعي في الطب»، كشف باحثون من جامعة أكسفورد أن معظم إخفاقات الأنظمة الصحية الذكية لم تكن ناتجة عن خلل تقني، بل عن قصور في الاعتبارات الأخلاقية أثناء تصميمها أو تطبيقها خارج سياقها المناسب، فتتحول توصيات النظام إلى سلطة غير مرئية تضعف قدرة المريض والطبيب على الاختيار الحر، أو قد تعيد الخوارزميات إنتاج التفاوتات الاجتماعية إذا بُنيت على بيانات منحازة أو غير ممثلة لكافة الفئات، فلم يعد الطبيب مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح «مهندس القرار الطبي» الذي يوازن بين البيانات الرقمية والخبرة السريرية والبعد الإنساني، والتقنية مساعدة له بوضوح أكبر عبر تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنها لا تتحمل عبء الاختيار الأخلاقي ولا تقف أمام المريض لتحمل تبعات القرار.
وتؤكد الأبحاث العلمية، ومنها دراسة أُجريت في مراكز الرعاية الصحية بالسعودية في فبراير 2026، أن قبول المرضى للذكاء الاصطناعي مشروط ببقاء الطبيب صاحب القرار النهائي، حيث ترتبط ثقتهم بالتقنية ارتباطاً وثيقاً بثقتهم بالطبيب نفسه كضمانة إنسانية. وهنا يتضح أن التحدي الحقيقي ليس في قوة الخوارزمية، بل في الإطار الأخلاقي الذي يوجّه استخدامها.
وفي أروقة العيادات النفسية ومراكز تأهيل مُدمني المخدرات، تُبنى رحلة التعافي على أدق تفاصيل المشاعر الإنسانية، يبرز خطر داكن حين يتحول المعالج من «ملاذ آمن» إلى «تابع» لبرمجيات صماء؛ يسقط المعالج النفسي فريسة لخوارزميات حيثُ «الانحياز الآلي» يطمس بصيرته السريرية، أو «المسمومة» كأنها «متلاعب نفسي» يغوي المعالج ببريق زائف، تقوده إلى مسارات علاجية قد تفتقر للحكمة والرحمة التي هي جوهر الطب منذ عصر ابن سينا، وهو نوع من «التلاعب الرقمي» يشبه في أثره التدميري تلك الشخصيات التي تتلاعب نفسياً بحبارير المرضى لتستغل هشاشتهم؛ قد تدفع المعالج لتبني سيناريوهات تشخيصية قاسية أو غير عادلة تزيد من معاناة المُدمن بدلاً من احتوائها.
وفي نهاية المطاف، يظل علاج الإدمان والاضطراب النفسي «فعلاً إنسانياً» بامتياز، ومسؤولية أخلاقية لا يمكن تفويضها لآلة لا تدرك معنى الألم ويشوه مسار الشفاء.. هذه العلاقة التكاملية تتجلى في ثلاث حالات واقعية يواجهها الطبيب في عيادته.. وفي كل هذه الحالات، يبقى الطبيب هو المحور؛ لأنه الوحيد القادر على فهم ظروف المريض النفسية والاجتماعية وتفضيلاته الشخصية، وهي أبعاد تتجاوز حدود البيانات الرقمية.
الأولى: هي «التوصية الواضحة» عندما يقدم النظام تشخيصاً بدرجة ثقة عالية بناءً على البيانات.
الثانية: فهي «التقديرات الاحتمالية» التي تعرض سيناريوهات متعددة تتطلب تفسيراً سريرياً دقيقاً من الطبيب.
الثالثة: هي «صمت الخوارزمية»، حيث يعجز النظام عن تقديم توصية بسبب نقص البيانات، وهنا يعود القرار بالكامل لخبرة الطبيب وحكمه.
ومن حمورابي إلى عصر الذكاء الاصطناعي، تبقى الحقيقة واحدة: الطب ليس مجرد معرفة، بل مسؤولية إنسانية. فالحكمة التي خطّها ابن سينا قبل ألف عام بأن الطبيب الجيد يجمع بين العلم والحكمة، تكتسب أهمية قصوى اليوم. والتحدي في الطب الحديث لا يكمن في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض، ليظل الطب فعلاً إنسانياً ومسؤولية لا يمكن تفويضها بالكامل للآلة مهما بلغت دقتها.