عبدالوهاب الفايز
هل من مصلحة شعوب دول الخليج والشعب الإيراني استمرار (إيران الدولة) أم (إيران الثورة)؟ سؤال وجودي تضعه الحرب أمام شعوب المنطقة، وهو السؤال الذي لا مفرّ منه وظل يطاردنا منذ أربعة عقود! هل من مصلحتنا أن تنتقل «إيران الجارة» إلى حالة الدولة العاقلة المستقرة التي تنشغل بعمارة الأرض وبناء مقومات حياة شعبها، أم أن تبقى «إيران المشروع»، أي الثورة الدائمة التي لا تهدأ؟
ليس هذا سؤالاً فكرياً يُطرح في قاعات الدراسة، إنه سؤال نطرحه مع كل أخبار المسيرات والصواريخ حين تشقّ سماء مدننا. يطرحه المواطن الخليجي حين يرى إصرار نظام الملالي على توسيع الحرب وتدمير مقومات الحياة الأساسية في دولنا. ما مصلحة شعوب المنطقة ومصلحة الشعب الإيراني نفسه، بل ما مصلحة شعوب العالم المتضررة من هذا العنف ومن اضطراب تدفق النفط والغاز؟
الذي نعرفه أن مشكلتنا، ومنذ قيام الثورة الإيرانية، لم تكن مع طهران، أو مع جغرافيتها، أو مع شعبها العريق الذي أسهم تاريخياً في حضارة المنطقة ونسيجها الثقافي. المشكلة كانت مع «العقلية الثورية» المصرة على إدارة علاقاتها معنا عبر فوهات المدافع ومنصات المسيرات، لا عبر ممرات التجارة ومقومات حسن الجوار.
ثمة فارق جوهري بين الدولة والثورة. الدولة قد تكون كياناً يحتكر العنف المشروع داخل حدوده ويسعى إلى الأمن والرفاه لمواطنيه؛ أما الثورة فهي بطبيعتها مشروع إيديولوجي عابر للحدود، يرى في تصدير أفكاره واجباً وجودياً لا خياراً. وعندما تتسلط الثورة على مقدرات دولة ذات ثقل بشري وجغرافي ونفطي كإيران، فإن المحصلة هي ما نراه: سلاح مسلّط ليس فقط على رؤوسنا، بل على رأس الشعب الإيراني نفسه الذي يدفع ثمن العزلة والمغامرات الخارجية من قوت يومه ومستقبل أبنائه.
نزعة التدمير الذي نراه الآن مؤسفة، فالأرقام المرصودة للمسيرات والصواريخ منذ اندلاع المواجهة وحتى مساء الأحد الماضي تُظهر أن ما يزيد على 85% خمسة وثمانين بالمئة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية قد وُجّهت صوب دول الخليج ومنشآتها الحيوية، فيما لم ينل «العدو المفترض» في الخطاب الثوري، إسرائيل، إلا النزر اليسير من هذا الزخم.
هذا الفارق الشاسع في الاستهداف يُسقط أقنعة كثيرة دفعة واحدة. إذا كانت المسيرات تُطلَق باسم «المقاومة» ومواجهة إسرائيل، فلماذا يكون نصيب المطارات المدنية الخليجية ومحطة التحلية والمنشأة النفطية أضعافَ ما يصيب الهدف المُعلَن؟ الإجابة الوحيدة المنطقية هي أن «الثورة» تستخدم شعاراتها مثل (محاربة الشيطان الأكبر) غطاءً لتصفية حسابات إقليمية وتوسيع نفوذها، في حين أن الضحية الفعلية هي تلك الشرايين الحيوية التي يعيش عليها المواطن الخليجي والمقيم والعامل الأجنبي على حدٍّ سواء.
يمكن تصنيف هذا الاستهداف في ثلاثة محاور متمايزة تكشف عن عقيدة عسكرية قديمة وممنهجة، لا عن ردود أفعال عشوائية:
أولاً: استراتيجية الاستنزاف الاقتصادي عبر «الإغراق» بمسيّرات رخيصة التكلفة نسبياً، فهذه تستنزف في اعتراضها صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن.
ثانياً: تعمدت إيران استهداف الشرايين المدنية بشكل مباشر مثل المطارات المدنية ومحطات تحلية المياه ومنشآت للطاقة. وهذه ليست مرافق عسكرية؛ إنها الأوردة التي يجري فيها الحياة اليومية لملايين البشر. استهدافها «فعلٌ ثوري» بامتياز، لا يُقيم وزناً للقانون الدولي الإنساني ولا لمبادئ حسن الجوار التي تُلزَم بها الدول المسؤولة.
ثالثاً: الاستهداف الممنهج لضرب المرافق المدنية يُستخدم كرسالة للضغط السياسي في حال إطلاق مسار التفاوض بين طهران وأمريكا. فتصعيد الضغط العسكري على الجيران يُستخدم كورقة تفاوضية، مما يجعل أمن الخليج رهينةً لمآلات مفاوضات لا تملك دولُه حضوراً مباشراً فيها في الغالب.
وتطلعنا لقيام مشروع الدولة بدل الثورة لا يهدف إلى مكافأة النظام ولا إلى نسيان الجراح؛ الدولة كيان يمكن التنبؤ بسلوكه، وإن لم يكن بالضرورة سلوكاً مثالياً. الدولة تبحث عن مقعد في المنظومة الدولية وتوقّع المعاهدات وتخشى على اقتصادها وعملتها ورفاه مواطنيها. وهذه المخاوف تجعلها قابلة للردع وللتفاوض والتعايش، حتى حين تتعارض مصالحها مع مصالح الجيران. أما الثورة فكيان مختلف جذرياً في منطقه الداخلي: تستمد شرعيتها من الصراع ذاته، ولا تحتاج إلى إنجازات تنموية تُقدّمها لشعبها طالما أنها تُغذّي روح المظلومية وتصوّر العالم الخارجي عدواً دائماً. الثورة تبني الميليشيات، والدولة تبني الجسور التجارية. الثورة تتهرب من مسؤولية التخريب وترميها على الوكلاء، والدولة تخضع للمساءلة القانونية. الثورة تسخّر التكنولوجيا للتخريب العابر للحدود، والدولة تستثمر فيها خدمةً للتنمية.
ومشروع التنمية هو الذي نتمناه للشعب الإيراني، الذي دفع ثمناً باهظاً لمشروع الخميني وهو الآن يشاهد ما تبقى لديه من مكتسبات يتم تدميرها. منذ الثمانينيات وإيران تُنفق من ثروتها البشرية والمادية على حروب وتدخلات تستنزف قدراتها بدلاً من توجيهها نحو التنمية. وهذا واقع يُقرّ به كثير من الإيرانيين أنفسهم حين يُعبّرون عن رفضهم للحروب الخارجية وتمنّيهم للعيش بسلام مع جيرانهم. في تقارير القصف اليومي نرى البنية الأساسية وضعت في مئات المنشآت والمصانع العسكرية، وهذه يتم تدميرها!
في التاريخ الحديث، الشعوب حين تتحرر من قبضة الأيديولوجيات التوسعية تُنجز في العقد الواحد ما تعجز عنه الثورات في عقود. أمامنا درس واقعي: تحوّل الاقتصاد الصيني حين انتقل قادته من عقيدة تصدير الثورة إلى عقيدة تصدير البضائع. وانظر أيضاً كيف وظّفت دول الخليج مواردها لبناء بنية تحتية ومدن وخطط تنمية باتت مرجعاً دولياً. لا شيء يمنع إيران من أن تسلك ذلك المسار لو أطلق النظامُ يدَ شعبها وكفاءاته المكبوتة.
السلام الذي ننشده وننتظره ليس مجرد هدنة مؤقتة تُسكّت المدافع لعام أو عامين ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه. ولا هو بالتسوية التي تُجمّد الصراع دون أن تعالج جذوره. إن السلام المستدام في هذه المنطقة المنهكة يبدأ من تحوّل حقيقي في العقيدة السياسية والعسكرية الإيرانية؛ من مشروع تصدير الثورة إلى مشروع بناء الدولة، ومن منطق تصفية الحسابات الإقليمية إلى منطق التعاون الإقليمي على مشكلات المياه والغذاء والطاقة والبيئة التي لا تعرف حدوداً.
وهذا الطريق ليس مشروطاً بتغيير إيران هويتها الثقافية أو حضارتها الفارسية العريقة التي تحمل تراثاً إنسانياً عميقاً. المطلوب فحسب هو أن تُعامِل إيرانُ جيرانَها وفق المبادئ التي تؤمن بها كل الدول: احترام السيادة، ورفض تمويل الميليشيات عبر الحدود، والإقرار بأن أمن الجار هو في النهاية شرط لازم للأمن الجماعي.
انحيازنا لإيران «الدولة» ليس انحيازاً ضد الشعب الإيراني، ولا ضد إيران بوصفها جغرافيا وحضارة؛ هو انحياز للعقل وللاستقرار وللمستقبل الذي تستحقه شعوب المنطقة بعيداً عن صخب الشعارات وهدير المسيرات. حين تُصبح إيران دولةً يخشى نظامُها على اقتصادها وعملتها ومستوى معيشة مواطنيها أكثر مما يخشى على «الحالة الثورية»، فعندئذٍ يصبح التفاوض والتعايش والتعاون ممكناً. وحتى ذلك الحين، سوف تظل المنطقة حبيسة معادلة لا تُنتج إلا العنف والخراب.
لقد آن الأوان لتضع الثورة أوزارها، لتبدأ الدولة مسيرة البناء وممارسة الجوار الحقيقي، والأهم تقول: وداعاً للسلاح!