د. عبدالحليم موسى
حينما تتعرض الأوطان لاعتداءٍ مباشر، لا تبقى المعركة محصورة في حدود الجغرافيا أو منشآتٍ بعينها، بل تمتدّ إلى العقول والقلوب، ومع ما شهدته مملكتنا الحبيبة السعودية من استهدافٍ لمناطق الطاقة في العدوان الإيراني الحالي، برزت حقيقة عميقة أن الخطر لا يكمن فقط في الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أيضاً في سيل المعلومات التي تتدفق بلا وعي، فتتحول إن لم تُضبط إلى أداة تُكمل ما بدأه العدو.
في مثل هذه اللحظات، تصبح الكلمة أكثر من مجرد تعبير؛ فقد تتحول إلى موقف، وإلى مسؤولية؛ فالكلمة في زمن الحرب قد تكون طمأنينةً تبني، وقد تكون ثغرةً تُضعف. والصورة التي تُنشر دون تحقق قد تبدو بريئة، لكنها قد تحمل في طياتها ما يكشف تفاصيل حساسة أو يثير الذعر بين الناس، أما الخبر الكاذب، فيكفيه أن ينتشر قليلاً ليصنع ارتباكاً واسعاً، يحقق للعدو الإيراني ما عجز عن تحقيقه في الميدان.
لقد كشفت هذه الأحداث أنّ حروب اليوم لم تعد تقليدية، بل أصبحت حروباً مركبة، تتداخل فيها الضربات العسكرية مع حرب معلومات شرسة، تستهدف وعي المجتمع وثقته، وفي ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بات من السهل إنتاج صور ومقاطع مفبركة تُحاكي الواقع بدقة، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة، ويضاعف من خطورة التسرع في النشر.
وهنا تتجلى ملامح ما يمكن تسميته اليوم بـ»حروب الذكاء الاصطناعي»، حيث لم تعد المواجهة قائمة فقط على السلاح المادي، بل على القدرة على صناعة الواقع البديل؛ فالصورة المصطنعة قد تُقنع أكثر من الحقيقة، والصوت المُولَّد قد يُضلل أكثر من الخطاب الحقيقي، والمحتوى الزائف قد ينتشر أسرع من الخبر الصحيح، وهنا يصبح الإنسان أمام اختبار وعي غير مسبوق، إذ لم يعد المطلوب فقط أن يعرف، بل أن يتحقق، وأن يشكّ بوعي، وأن يُدرك أنّ ما يراه قد لا يكون كما يبدو.
وقد عبّرت أدبيات الحروب عن هذه الحقيقة بوضوح، إذ يُنسب إلى رجل الدولة البريطاني ونستون تشرشل قوله: « في زمن الحرب تصبح الحقيقة ثمينة إلى درجة يجب أن تحاط دائماً بحارس من الأكاذيب»، كما يُنقل عن الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر قوله: «المعلومة التي تتسرب في غير وقتها قد تساوي خسارة معركة»، وهاتان العبارتان تكشفان بجلاء أنّ المعركة على الحقيقة لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض.
إنّ وعي المجتمع في مثل هذه الظروف يصبح خط الدفاع الأول للوطن؛ فالمواطن أو المقيم الذي ينشر خبراً غير موثوق، أو يعيد تداول صورة مجهولة المصدر، قد يظن أنّه يؤدي واجباً إنسانياً أو وطنياً، لكنه ومن حيث لا يدري، قد يسهم في خدمة أهداف العدو الإيراني، سواء بنشر الذعر، أو بتسريب معلومات، أو بإضعاف الثقة بالمصادر الرسمية.
ومن هنا تبرز أهمية الالتزام بالمصادر الرسمية للدولة، باعتبارها المرجعية الوحيدة الموثوقة في أوقات الأزمات. فالمعلومة حين تصدر عن الجهات المختصة لا تكون مجرد خبر، بل تكون جزءاً من إدارة واعية للأزمة، تهدف إلى حماية المجتمع وتوجيهه، بعيداً عن الفوضى المعلوماتية التي يسعى الأعداء إلى تغذيتها.
وهنا تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية كبرى، إذ لا يقتصر دورها على نقل الحدث، بل يمتد إلى حماية الوعي العام من الانزلاق نحو الشائعات. فالإعلام الواعي في زمن الأزمات ينحاز إلى استقرار الوطن، ويعمل على تعزيز الثقة، ويفضح أساليب التضليل، ويؤكد على ثقافة التحقق قبل النشر، وهذا الانحياز ليس خروجاً عن المهنية، بل هو جوهرها في لحظات تهديد الأمن الوطني. وفي هذه اللحظات يجب على كل شخص أن يصبح جندياً في معركة الوعي الحالية، فقرار الامتناع عن نشر خبر غير مؤكد، أو التريث قبل إعادة إرسال صورة، أو الدعوة إلى التحقق من المعلومات، هو في حقيقته فعل وطني يعادل في قيمته أشكالاً أخرى من الدفاع عن الوطن؛ فالأوطان لا تُحمى فقط بالسلاح، بل تُحمى أيضاً بالعقول الواعية والضمائر الحية.
إنّ ما حدث من استهداف لمنشآت الطاقة في المملكة اليوم لم يكن مجرد اعتداء على البنية الاقتصادية، بل كان محاولة لاختبار تماسك المجتمع ووعيه، وقد أثبتت التجربة أنّ المجتمعات التي تمتلك وعياً إعلامياً عالياً تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وأكثر صلابة في مواجهة الحملات المضللة. ومن هنا تتجسد حقيقة أن الوطن مسؤولية الجميع، وأنّ كل كلمة تُنشر، وكل معلومة تُتداول، هي جزء من معركة أكبر، فإما أن تكون لبنة في بناء الوعي، أو ثغرة في جدار الأمن. وفي هذا المعنى، يتحول الشعار إلى واقع حي: كلنا درعٌ وأمنٌ للوطن.