جمال الوصيف
يقال: إن الأزمات تصنع الرجال، والمواقف توضح الأصدقاء وتكشف الأعداء، وفي كل أزمة تمر بها منطقتنا، لا تتكشف فقط موازين القوى أو حسابات السياسة، بل تنكشف أيضاً طبائع الناس، ونوعية الأصوات التي تتصدر المشهد، والقدرة الحقيقية للمجتمعات والدول على التمييز بين من يحاول أن يحمي الوعي، ومن يسعى إلى توجيهه نحو الغضب والانقسام.
وفي الأزمة الحالية، التي تعيش فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية واضطراباً، تبدو الحاجة إلى هذا التمييز أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالأمر لم يعد متعلقاً فقط بمتابعة تطورات المشهد، أو تسجيل المواقف، أو حتى تحليل ما يجري من زاوية سياسية أو عسكرية، بل أصبح متعلقاً بسؤال أكبر وأعمق: كيف ندير خلافاتنا نحن، في لحظة إقليمية لا تحتمل مزيداً من التصدع؟
في أي مجتمع، توجد شخصيات عاقلة ومتزنة، تعي جيداً جوهر الأمور، ولا تندفع وراء الشعارات أو المؤثرات أو الأهواء، بل تُخضع تقييماتها وقراراتها لنظرة بعيدة، مبنية على خلفيات وتجارب تاريخية، وقراءة آنية، ورؤية مستقبلية، وهؤلاء هم الذين يُفترض أن يُنصت إليهم في أوقات الاضطراب، لأنهم لا يقرأون الحدث من سطحه، بل من عمقه، ولا يقيسون المواقف بردة الفعل، بل بحجم ما يمكن أن تتركه من آثار على المستقبل.
لكن ما يحدث غالباً في لحظات الأزمات، هو العكس تماماً.
ترتفع أصوات هشة لكنها صاخبة، تتغذى على الانفعال، وتُجيد تسويق المواقف الحادة، وتدفع الرأي العام نحو خيارات لا تبنى على تقدير موضوعي، بل على الاستفزاز والتجييش والشحن العاطفي، ومع كل أزمة، يتكرر المشهد ذاته: دعوات إلى التصعيد، مبالغات في تفسير المواقف، توسيع متعمد للفجوات، وتحويل أي اختلاف في الرؤية إلى ما يشبه معركة كسر إرادات.
وفي المقابل، يظل صوت العقل في كثير من الأحيان هادئاً، لا يُسمع وسط الضجيج، أو يُساء فهمه في لحظة التوتر، أو يُتهم بالضعف والتردد لأنه لا يصرخ، ولا يزايد، ولا ينجرف. لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مراراً هي أن صوت العقل لا يكون ضعيفاً حين يصمت، بل يكون أقوى حين يختار اللحظة المناسبة للكلام، والأهم من ذلك حين يختار أن يحفظ الجسور حتى في أشد لحظات الاختلاف.
وهنا تكمن واحدة من أخطر الإشكاليات في عالمنا العربي: أننا في كثير من الأحيان لا نحسن إدارة الاختلاف، فنحوّله بسرعة إلى خصومة، ثم إلى قطيعة، ثم إلى اصطفافات حادة قد تمتد آثارها لسنوات، بينما الأصل في الخلاف بين الأشقاء أن يُدار، لا أن يُفجّر، وأن يُحتوى، لا أن يُستثمر.
فالخلاف بين الدول ليس أمراً استثنائياً في السياسة، بل هو جزء طبيعي من العلاقات الدولية، حتى بين أقرب الحلفاء وأكثرهم تقاطعاً في المصالح. ولا توجد منظومة إقليمية أو دولية تخلو من التباينات، لكن الفارق بين الدول الناضجة وغيرها، هو أن الأولى تعرف كيف تمنع الاختلاف من أن يتحول إلى كسر دائم في العلاقة، أو إلى ثغرة يستفيد منها الآخرون.
وهذا بالضبط ما نحتاج إلى استيعابه اليوم، في لحظة تواجه فيها دول الخليج والعالم العربي تحديات غير مسبوقة، تبدأ من التهديدات الأمنية والعسكرية، ولا تنتهي عند محاولات إعادة تشكيل المنطقة على وقع الفوضى والضغوط والابتزاز السياسي.
فبعد شهر من الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج، لم يعد التحدي فقط في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا في حماية الأجواء والمنشآت الحيوية فحسب، بل في حماية التماسك السياسي والنفسي والاستراتيجي للمنطقة. لأن الخصوم لا يراهنون فقط على أثر الضربة المباشرة، بل يراهنون أيضاً على ما يمكن أن تخلّفه من تصدعات في الداخل الخليجي والعربي، وعلى ما قد تفتحه من مساحات للشكوك والتباينات وسوء التقدير.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله في مثل هذه اللحظات، هو أن نسمح للخلافات البينية - أياً كان حجمها أو مشروعيتها - بأن تتحول إلى مادة للتراشق، أو إلى وقود تعبئة شعبية، أو إلى ساحات تصفية حسابات سياسية وإعلامية. لأن أي خلاف عربي أو خليجي في لحظة كهذه لا يبقى شأناً داخلياً بين الأشقاء، بل يتحول فوراً إلى فرصة استراتيجية مجانية لكل من يريد إضعاف هذه المنطقة أو اختراقها أو إعادة تشكيل أولوياتها بالقوة والابتزاز.
والتاريخ القريب والبعيد معاً يقول لنا: إن المنطقة دفعت دائماً ثمناً باهظاً حين أخفقت في إدارة اختلافاتها، وربحت كثيراً حين غلبت الحكمة على الانفعال.
لقد أثبتت التجربة الخليجية، على وجه الخصوص، أن الخلاف مهما بلغ، فإنه لا يُعالج بالقطيعة المفتوحة، ولا بالتصعيد المتبادل، ولا بإدارة النزاع على شاشات التلفزيون أو منصات التواصل، بل بالحوار الهادئ، والوساطات الصادقة، والاحتكام إلى المصالح الكبرى التي لا يملك أحد ترف التفريط بها.
ولعل قمة العلا 2021 كانت من أبرز النماذج الخليجية المعاصرة على أن الأزمات مهما طالت، فإنها ليست قدراً دائماً إذا توفرت الإرادة السياسية، وصدقت النوايا، وغلبت الحكمة على حسابات اللحظة. لم يكن المشهد هناك مجرد مصافحة أو إعلان سياسي، بل كان رسالة أعمق بكثير، مفادها أن الخلاف بين الأشقاء مهما اشتد، يجب ألا يتحول إلى شرخ دائم في الجدار الخليجي.
والأهم من ذلك أن تلك اللحظة لم تُثبت فقط إمكانية تجاوز الخلاف، بل أكدت أن استمرار الانقسام نفسه قد يصبح أخطر من أصل الخلاف، خاصة حين تكون المنطقة محاطة بتهديدات تتطلب أعلى درجات التنسيق والتماسك.
وفي السياق العربي الأوسع، لا يمكن إغفال أن المصالحة العربية التي سبقت قمة الكويت 2009 جاءت أيضاً في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث أدركت عدة عواصم عربية أن استمرار التباعد والانقسام لن يؤدي إلا إلى إضعاف الموقف العربي في مواجهة تحديات تتجاوز حدود كل دولة على حدة. لم تكن تلك المصالحة إلغاءً للاختلاف، بل كانت اعترافاً بضرورة ضبطه ومنعه من التحول إلى كسر طويل الأمد.
كما أن اتفاق الطائف في لبنان يظل مثالاً عربياً مهماً على أن النزاعات، مهما طال أمدها وتعقدت مساراتها، لا تُحسم دائماً بمنطق الغلبة، بل غالباً ما تنتهي حين يصل الجميع إلى قناعة مؤلمة لكن ضرورية: أن استمرار النزاع يستنزف الجميع، وأن التسوية -مهما بدت ناقصة- قد تكون أكثر حكمة من الانهيار الكامل.
بل إن التجارب الدولية نفسها تقدم الدرس ذاته.
فبعد عقود من الحروب والعداوات، أدركت فرنسا وألمانيا أن استمرار العداء التاريخي لن يصنع مستقبلاً مستقراً لأوروبا، فاختارتا منطق المصالحة وبناء المصالح المشتركة. وفي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، كان العالم على حافة كارثة نووية، ولم يكن ما أنقذه هو منطق الاستعراض والقوة وحده، بل قدرة القيادات على التراجع المحسوب، والقبول بتسوية تمنع الانفجار الشامل.
وحتى داخل التحالفات الكبرى اليوم، مثل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، لا تختفي الخلافات ولا تتلاشى التباينات، لكن ما يحفظ تلك المنظومات هو وجود قواعد تحكم الاختلاف، وتمنع تحوله إلى انهيار في البنية أو في الثقة أو في المصير المشترك.
وهذا هو الدرس الذي نحتاج أن نستوعبه جيداً في لحظتنا الحالية:
أن الخلاف لا يصبح خطراً حين يبدأ، بل حين يُترك ليتغذى على الغضب والضجيج وسوء التقدير.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظات التوتر، ليس فقط اختلاف وجهات النظر، بل تحويل الخلاف إلى معركة رأي عام، تُستدعى فيها الجماهير، ويُستفز الشارع، وتُفتح أبواب التخوين والتشكيك والاصطفاف الحاد. وعندها، لا تعود المشكلة سياسية فقط، بل تتحول إلى أزمة وعي، لأن الجماهير حين تُعبأ عاطفياً يصبح من الصعب إعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي، حتى وإن نجحت القيادات لاحقاً في معالجة أصل الأزمة.
وهنا يظهر دور النخب الحقيقي، لا في صب الزيت على النار، بل في حماية وعي المجتمع من التجييش، وفي تذكير الناس بأن العلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق المبارزات الإلكترونية، ولا بحسابات اللحظة، بل بمنظومة معقدة من الأمن والمصالح والتاريخ والجغرافيا والروابط الإنسانية والمصير المشترك.
وفي لحظة التهديدات الحالية، تصبح هذه المسؤولية مضاعفة.
فما تحتاجه المنطقة اليوم ليس فقط مواقف حازمة تجاه مصادر التهديد الخارجي، بل أيضاً وعياً داخلياً يمنع استيراد الانقسام إلى داخل البيت العربي والخليجي. لأن الأمن لا يُحمى فقط بأنظمة الدفاع الجوي، ولا بالتحالفات العسكرية، ولا بالبيانات السياسية وحدها، بل يُحمى أيضاً بتماسك الجبهة الداخلية، وبمنع الخلافات من أن تتحول إلى شروخ في لحظة تتطلب أعلى درجات الاصطفاف العقلاني.
ولعل من أهم الدروس التي ينبغي أن نستوعبها اليوم، أن الاختلاف لا يعني السقوط في العداء، وأن التباين في المواقف لا يلغي وحدة المصير، وأن الخلافات العربية والخليجية حين تُدار بعقلانية يمكن أن تتحول إلى مراجعة وتصحيح، لا إلى انقسام وتشظٍ.
بل إن بعض الخلافات، إذا أُديرت بشكل صحيح، قد تنتج عنها علاقات أكثر وضوحاً ونضجاً وصلابة، لأن الأزمات - مهما كانت قاسية - تكشف مواطن الخلل، وتدفع إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتضع الجميع أمام سؤال جوهري: ما الذي يجب أن يبقى ثابتاً مهما تبدلت الظروف؟
والإجابة في حالتنا العربية والخليجية واضحة:
يجب أن يبقى ثابتاً أن أمننا مشترك، واستقرارنا مترابط، ومصالحنا متداخلة، وأن أي تصدع داخلي بين الأشقاء لن يكون انتصاراً لطرف على آخر، بل خسارة جماعية يستفيد منها الآخرون.
إن إدارة الاختلاف ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل هي ضرورة سياسية واستراتيجية، خاصة في منطقة تتعرض باستمرار لاختبارات قاسية، ومحاولات اختراق، واستهداف مباشر وغير مباشر. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على صانع القرار وحده، بل أيضاً على الإعلامي، والمثقف، والكاتب، والمحلل، وكل من يملك منبراً أو كلمة أو تأثيراً.
ففي زمن الأزمات، لا تكون الوطنية في رفع الصوت فقط، بل في ضبطه حين يجب أن يُضبط، ولا تكون الشجاعة في تأجيج الغضب، بل في منع الغضب من أن يتحول إلى قطيعة، ولا يكون الانتصار في تسجيل النقاط الآنية، بل في الحفاظ على ما لا يجب أن يُكسر بين الأشقاء.
وفي النهاية، تبقى الأزمات اختباراً مزدوجاً:
اختباراً للسياسة، واختباراً للوعي.
وقد تنجح السياسة في ترميم ما انكسر، لكن الوعي إذا انهار تحت ضغط الانفعال والتجييش، فإن إصلاحه يحتاج زمناً أطول، وجهداً أكبر.
لذلك، فإن من أهم ما نحتاجه اليوم، ليس فقط مواقف قوية، بل عقولاً قوية، لا تنخدع بالضجيج، ولا تنساق وراء الاستقطاب، ولا تخلط بين الخلاف والعداء، ولا بين الحزم والتهور.
لأن الأوطان لا تُحمى فقط بالسلاح والمواقف، بل تُحمى أيضاً بالحكمة، وضبط البوصلة، وحسن إدارة الاختلاف... خصوصاً بين الأشقاء.
** **
- صحفي عضو نقابة الصحفيين المصرية/ مراسل قناة القاهرة الإخبارية