عبدالوهاب الفايز
مع زخم الأخبار عن الصواريخ والمسيرات، وانشغال الإعلام في دول الخليج بمتابعة أخبار الحرب، تطل الأخبار الإيجابية المفرحة عن استمرار الحياة وعمارة الأرض في العواصم والموانئ الخليجية، ومن هذه الأخبار الإيجابية ما يتجاوز الإنسان إلى الاهتمام بالطبيعة والبيئة والحيوانات. ونحتاج التعرض للأخبار الإيجابية حتى لا نغرق في النظرة المتشائمة تجاه الحياة، بالذات في أوقات الحروب والكوارث الإنسانية.
الحياة الفطرية منذ أن أمر الله سبحانه وتعالى نبيه نوح بأن يأخذ معه في السفينة من كل زوجين اثنين، هذا الحدث العظيم يؤكد أهمية الشراكة المصيرية بين الإنسان والحيوان وكل الكائنات الجميلة. الهدف الرئيسي من حمل «زوجين اثنين» (ذكر وأنثى) هو لضمان توالدها وبقائها بعد انتهاء الطوفان لإعمار الأرض والمحافظة على الأنواع الحية (حيوانات، طيور) لتعمير الأرض مجدداً، ولإبقاء الأنواع الحية التي يحتاجها الإنسان لغذائه وتكامل معيشته.
في بلادنا، قرأنا خبراً عن الاحتفاء بمرور خمسة سنوات لتأسيس المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، وهذا ذكرنا بالجهود الكبيرة التي أطلقتها برامج الرؤية ومنها ما يخص إعادة هيكلة وتنمية منظومة البيئة في المملكة. والمركز لم يتأسس لمجرد إضافة جهاز حكومي جديد، بل كان قراراً سيادياً استراتيجياً بإنهاء حالة (النزيف الفطري) التي عانت منها الجزيرة العربية لعقود.
اليوم، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات من العمل الميداني والبحثي المكثف، أصبح لدينا في المملكة جهداً وطنياً متميزاً لاستعادة النظم البيئية المتدهورة. لم يقتصر الأمر على إطلاق كائنات أو إنشاء محميات، بل تحول إلى (رؤية شاملة) تجمع بين العلم المنهجي، واستخدام التقنية المتقدمة، والشراكة المجتمعية، والتناغم مع أهداف التنمية المستدامة في رؤية السعودية 2030، ومبادرة السعودية الخضراء.
في هذا المقال القصير لا يمكن الإلمام بأغلب المنجزات التي تحققت في منظومة البيئة، ولكن سوف نقف عند المفاصل الاستراتيجية والمنجزات النوعية التي جعلت من (الاستيقاظ الفطري) حقيقة ملموسة في إنجازاتنا الوطنية. ومن هذه الإنجازات ما تكرر وأصبح أمراً اعتيادياً. وحسب المعلومات المنشورة في التقارير السنوية للمركز ولوزارة البيئة، نُلخص أبرز الإنجازات في عدد من المسارات:
أولاً: إعادة توطين وتجاوز الأرقام التقليدية لقد نجحنا في إعادة الكائنات المنقرضة عبر مسار يعتمد على دراسات جينية وبيئية وبرامج تأهيل طويلة الأمد. بحلول فبراير 2026، تجاوز المركز إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري ضمن برامج إعادة التوطين، شملت أكثر من 80 نوعاً من الأنواع ذات الأولوية الوطنية، مثل ظباء الريم والمها الوضيحي وظباء الإدمي والوعول الجبلية وطيور الحبارى والنعام والقطا، وذلك في 60 موقعاً بيئياً متنوعاً. ارتفع عدد برامج الإكثار من 7 إلى 21 برنامجاً، مع خطة طموحة للوصول إلى 50 برنامجاً بحلول 2030.
والإنجاز النوعي الأبرز يظهر في محمية (عروق بني معارض)، التي سُجلت عام 2023 كأول موقع تراث طبيعي عالمي في السعودية على قائمة اليونسكو. هناك لم يكتفِ المركز بإطلاق مئات المها الوضيحي، بل بنى نظام مراقبة جيني متكامل يضمن التنوع الوراثي للقطيع، مما أدى إلى معدلات ولادات طبيعية في البرية فاقت التوقعات العلمية. كما شهدت المحمية إطلاقات متكررة لظباء الريم والغزلان الرملية، مما ساهم في تعافي النظام البيئي الصحراوي الهش.
أما مشروع (النمر العربي) في العلا والطائف، فيُعد قصة نجاح إقليمية وعالمية. انتقل المشروع من حماية ما تبقى (أقل من 200 نمراً في البرية تاريخياً) إلى برنامج إكثار عالمي شهد ولادات متتالية، بما في ذلك ستة صغار في 2025 ومجموعات سابقة شملت توائم ثلاثية نادرة في 2024. أُنشئت ممرات حيوية تربط المحميات الجبلية، مع إطلاق فرائس مناسبة لضمان عودة آمنة لهذا المفترس العلوي الذي يمثل قمة الهرم البيئي. هذه الجهود ليست مجرد إكثار، بل إعادة بناء توازن بيئي كامل.
ثانياً: التميز في الأبحاث.. (رحلة العقد) وتحليل الكربون الأزرق
على مستوى صناع القرار، تحول البحث العلمي إلى (قوة ناعمة) للمملكة، وأداة اقتصادية وبيئية. نفذ المركز (رحلة العقد) لاستكشاف البحر الأحمر، وهي أكبر عملية مسح شاملة في التاريخ المعاصر للمنطقة. استمرت الرحلة 126 يوماً، جمعت أكثر من 3000 عينة بيولوجية، ورسمت خرائط لقاع البحر، واكتشفت أنواعاً جديدة باستخدام تقنيات الـ eDNA. لم يقتصر المنجز على الاكتشافات، بل شمل تحديد (الثقوب الزرقاء) ومناطق الشعاب المرجانية المقاومة للاحتباس الحراري، مما جعل المملكة مرجعاً علمياً أول عالمياً في دراسات التكيف المناخي للمرجان. في مجال اقتصاد الكربون الأزرق، أثبتت أبحاث المركز على أشجار المانجروف أن البيئات الساحلية السعودية قادرة على احتجاز الكربون بمعدلات تفوق بعض الغابات البرية، رغم الظروف القاحلة. ساهم ذلك في دعم مبادرة السعودية الخضراء، حيث شارك المركز في زراعة ملايين الشتلات (مثل مشروع زراعة ثلاثة ملايين مانجروف في محمية الجبيل البحرية بالشراكة مع معادن). هذه الأبحاث منحت المملكة (أصولاً كربونية) قوية في المحافل الدولية، ورسمت خارطة طريق لزراعة عشرات الملايين من أشجار المانجروف كجزء من التزاماتها المناخية، مع فوائد إضافية في حماية الشواطئ ودعم الثروة السمكية.
ثالثاً: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (أتمتة الحماية)
في عصر الرقمنة، لم يبقَ المركز تقليدياً. أطلق (منصة فطري) الإلكترونية، التي قضت على البيروقراطية في تصاريح الاستيراد والتصدير والصيد والتربية، وحولت القطاع إلى منظومة شفافة تخضع لرقابة صارمة تمنع الاتجار غير المشروع بالحيوانات. أصبحت المنصة بوابة واحدة لإصدار شهادات المُلكية وتراخيص الأنشطة، مما سهّل على المواطنين والمستثمرين مع ضمان الامتثال البيئي.
كذلك، نشر المركز آلاف الكاميرات الحرارية والمسيرات المتطورة المرتبطة بمركز تحكم مركزي يعتمد الذكاء الاصطناعي لتحليل حركة القطعان، ورصد المتسللين أو الصيادين غير القانونيين. هذا التحول التقني قلص نسبة الانتهاكات البيئية في المحميات بشكل ملحوظ، ودعم الرصد الآني في مناطق شاسعة، مما يعكس نقلة نوعية في كفاءة الإدارة.
رابعاً: الريادة الأممية (الاعتراف بالمعايير السعودية)
حصول المملكة على جوائز دولية أو تسجيل مواقع في اليونسكو ليس غاية، بل (ختم جودة) للإدارة السعودية. انضمت محميات سعودية عدة إلى القائمة الخضراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، بدءاً من محمية الوعول، كأول محمية سعودية في 2024، ثم محميات مثل جزر فرسان ومحمية الملك عبدالعزيز ومحمية الملك سلمان ومحمية شرعان في العلا عامي 2025 - 2026. هذا يعني أن المملكة تطبق معايير حوكمة بيئية تفوق دولاً متقدمة، ويرفع قيمة (العلامة التجارية) كوجهة للسياحة البيئية الفاخرة والمستدامة.
خامساً: التحول الاجتماعي.. المواطن حارس الحياة الفطرية
الإنجاز الأعمق هو كسب معركة الوعي الشعبي، وهذه من أهم التحديات. ولكن ما قد يسجل لنا كمجتمع سعودي، هو سرعة التجاوب للحفاظ على الحياة الفطرية. لقد تطورت أنشطة (القنص) التقليدية، وتوسعت هواية (التصوير والرصد للحيوانات والطبيعة) بفضل برامج التوعية النوعية. اليوم يساهم آلاف الشباب السعودي في توثيق الحياة الفطرية عبر منصات التواصل، مما يخلق ضغطاً اجتماعياً إيجابياً ضد المخالفين. والإيجابي تطور التطوع المتخصص مثل: ترقيم السلاحف، تتبع الطيور المهاجرة، مراقبة الأعشاش النادرة. وهذا منجز نفخر به كسعوديين، فإقبال المجتمع (صمام الأمان) الحقيقي لاستمرار المنجزات البيئية.
سادساً: التناغم مع المشاريع الكبرى (الموازنة بين النماء والصيانة)
أثبتت التجربة السعودية إمكانية التوفيق بين التنمية والحماية. في نيوم والبحر الأحمر والعلا، أُطلقت مئات الكائنات (مثل 134 نوعاً في بعض المحميات) مع زيادة أعدادها في المناطق نفسها. ورغم التحديات، الآن النموذج السعودي في الإدارة المتكاملة للمناطق المحمية يؤسس لنموذج عمل متطور يضاف للتجربة العالمية، كبديل للنماذج التقليدية التي تعزل الإنسان عن الطبيعة.
هذه هي الأخبار التي تبعث الأمل بالحياة، فـ (استيقاظ) الحياة الفطرية في قلب الجزيرة العربية ليس حدثاً عابراً، بل إعادة كتابة للهوية الوطنية. نحن لا نستعيد فقط حيواناً أو شجرة، بل (ذاكرتنا الجميلة مع الأرض والكائنات الحية).
القيادات والمسؤولون والخبراء في منظومة البيئة لم تكن مهمتهم سهلة في رحلة التحول البيئية الصعبة.
هؤلاء من بناة المستقبل الآمن والمزدهر لبلادنا. في زمن الحروب والقلاقل تصبح الأخبار الإيجابية متنفس الأمل الضروري لاستعادة الثقة بالله ثم بالنفس، وبالقدرة على الإنجاز في منظومة البيئة، تتجلى صورة عمارة الأرض الرائعة في خدمة ورعاية الكائنات الضعيفة، ألم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم-: إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم.