لا شيء يُعِدّكِ. لا شيء في الدنيا يُهيّئكِ لهذه اللحظة. يأتي ما هو أكبر منكِ وينهار، وما يفاجئكِ وهي لطف من الله سبحانه؛ أنّ أوّل ما تراه الذاكرة هو الجميل. ليس هروبًا، بل امتنانًا. كأنّ القلب يعرف، قبل أن يفهم العقل، كم كان الحبّ كبيرًا.
أبي كان صانع الفخار؛ أحد اثنين شكّلا ما أنا وإخوتي عليه.
يد الفخّار تعرف متى تضغط ومتى ترفع. تحسّ بالطين وهو يأخذ شكله. لا تفرضه عليه، بل تُعينه على أن يصير ما هو. هكذا كان أبي. علّم المغفرة قبل أن يشرح معناها. علّم أن يُسأل لماذا، لا لأزعزع، بل لأفهم. أعطاني أفكاره لا لأرثها بل لاختبرها، وفتح أمامي أبوابًا ووقف خلفي حتى عبرتها. لم يجعلني أشعر يومًا بأنّني صغيرة. دعمني حتى حين لم يوافقني تمامًا. كان يسمع ويتأمّل ويُقدّر. ثم يتركني أقف على أرضي بنفسي. علّمني أن أفخر بما أنا عليه، وأن أعرف أين أقف؟
أحبّ العالم بفضول لا يهدأ. درس في اليابان وفي أمريكا، وعاد في كلّ مرة بشيء أعمق من المعرفة؛ عاد بطريقة في النظر إلى الناس. ولم يحتفظ بما تعلّمه لنفسه. أرسلنا (أنا وإخوتي) إلى مخيمات صيفية، لا ليكون امتدادًا له، بل لأنّه آمن بأنّ العالم أكبر من أيّ مكان واحد، وأنّ الإنسان لا يكتمل إلّا حين يعرف الآخر ويحبّه. لم يكن حبّه للإنسانية فكرةً يرددها؛ كان أسلوب حياة يعيشه في كلّ تفصيلة وكلّ قرار.
كانت رسالته الحبّ. كان هو الحبّ كلّه. فتح العالم لمن أحبّ وأمسك بهم برفق وهم يجدون طريقهم. رجل كان وجوده حبًّا خالصًا. ويكفي أن ننظر إلى ما ترك لترى أثره. أوضح من أيّ كلمة، وأعمق من أيّ وصف.
ومن اليابان التي أحبّها جاءت صورة تلازمني الآن. الكينتسوكوروي؛ فنّ رأب الفخار المكسور بالذهب. لا يُخفى الكسر ولا يُنكر، بل يُحتفى به حتى يصير أجمل ما في القطعة. أنا فخار متشقّق. لا مكسور بل متشقّق. ذاكرة والدي تتسرّب في تلك التشقّقات يومًا بعد يوم وتزداد جمالًا. لا أعرف أيّ ذكرى ستطفو غدًا، ولا أيّ مشاعر ستواجهني. كلّ ما أعرفه أنّ ما تركه أكبر من أن تحتويه صورة أو تسجيل أو أيّ شيء تراه العين.
ما الذي يمكن قوله بعد كلّ هذا؟ عمر كامل أمامي لأكتب عنك يا أبي. ويا حظي، لأن كلمات لغات مختلفة لا تكفي. أحببتك وما زلت أحبك. أحبّ كلّ شيء فيك، ولن يغيّر ذلك شيئًا أبدًا.
اللهم اربط على قلبي وعلى قلوب إخوتي ومحبيه وألهمنا الصبر والسلوان في فقدان أبينا، واجبر كسر قلوبنا جبرًا يليق برحمتك. اللهم أجرنا في مصيبتنا واغفر لأبي وارحمه، واسكنه فسيح جنّاتك، واجمعنا به في الفردوس الأعلى. اللهم إنّا نسألك صبرًا لا يُباعد بيننا وبين رحمتك، ورضًا بقضائك يا رب.
استرح عند الرحمن يا أبا عبدالله. لقد شكّلتنا على أحسن ما تمنّيت، وأكثر.
** **
- غادة محمد المهنا أبا الخيل