صبحي شبانة
تخرج الدول الحية من الحروب التي تفرض عليها، ولم تكن طرفا فيها أشد قوة وأكثر قدرة على إعادة رسم تموضعها الذي يتوازن مع عناصر القوة الكامنة فيها، والتي تمتلكها في مختلف المجالات، فالمملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة عادية، بل قوة وازنة في عالم اليوم الذي ينظر إلى شعبها باحترام كبير وتقدير بالغ بفضل إسهاماته الحاضرة والمشهودة في ظل عالم باتت فيه القيم جزءا من الماضي، فبرغم مئات المسيرات والصواريخ التي تصبها ايران على الأراضي السعودية ليل نهار فلا زال شعب المملكة يتحلى بالحكمة والصبر والهدوء الراسخ والمتوارث في أجياله، ففي لحظةٍ بدا فيها أفق الخليج مشحونًا تحت القصف بالصواريخ والمسيّرات، لم تتعامل المملكة مع المشهد بوصفه اختبارًا أمنيًا عابرًا، بل قرأته باعتباره منعطفًا استراتيجيًا يعيد تعريف موقعها ودورها في معادلات الإقليم والعالم، ومع انحسار تلك الهجمات وتراجع حدتها، لم تدخل الرياض مرحلة هدوء تقليدي، بل انتقلت إلى طور أكثر نضجًا وتعقيدًا، عنوانه إدارة التوازن لا الارتهان لضرورات الصدام.
لقد كشفت الاعتداءات التي طالت منشآت الطاقة والبنية التحتية في الخليج أن طبيعة الصراع قد تغيّرت، وأن التهديدات لم تعد احتمالات بعيدة، بل حقائق مباشرة تمس الاقتصاد العالمي بقدر ما تضرب الأمن الإقليمي، غير أن اللافت في المشهد لم يكن حجم التهديد بقدر ما كان طبيعة الاستجابة؛ إذ اختارت السعودية مسارًا مختلفًا، لا يقوم على رد الفعل الانفعالي، بل على بناء استراتيجية متعددة الأبعاد، تمزج بين الردع الذكي، وإعادة التموضع، وإعادة تعريف شبكة العلاقات الدولية.
نجحت استراتيجية المملكة في القدرة على تحويل التهديد إلى رافعة قوية، فبدل الوقوع في دوامة الاستنزاف، لجأت المملكة إلى تقليص اعتمادها على نقاط الاختناق الجيوسياسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، عبر تطوير بدائل لوجستية وممرات تصدير جديدة، وتعزيز شبكة الأنابيب الداخلية، ورفع كفاءة موانئها على البحر الأحمر، هذه التحركات جاءت لتعبر عن وعي استراتيجي بأن أمن الطاقة لا ينفصل عن أمن المملكة، وبهذا لم تعد السعودية مجرد دولة نفطية كبرى، بل لاعب محوري في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، وقادرة على امتصاص الصدمات وتقليل تأثيرها.
تدرك المملكة ان العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم رسوخها التاريخي، لم تعد تُدار بعقلية الخيار الأوحد، بل ضمن رؤية أوسع تنفتح على تنويع الشراكات وتعدد مراكز التأثير، لقد اتجهت الرياض إلى بناء علاقات أكثر توازنًا مع قوى دولية صاعدة، وتعزيز حضورها في المنظمات الاقتصادية والسياسية، بما يمنحها قدرة أكبر على المناورة في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، هذه المقاربة لا تعني التخلي عن الحلفاء التقليديين، بل إعادة صياغة العلاقة معهم على أسس أكثر وضوحًا وندية، وفي هذا الإطار، برزت ملامح الشراكة الندية مع واشنطن؛ شراكة تستند إلى تشابك اقتصادي واستثماري عميق، لكنها في الوقت ذاته تحرص على صون القرار السيادي السعودي، خصوصًا في الملفات الإقليمية الحساسة. فالمملكة لم تعد تقبل أن تكون جزءًا من ترتيبات لا تخدم أولوياتها، ولا أن تُستدرج إلى صراعات مفتوحة لا تحقق استقرارًا دائمًا، ومن هنا، يظهر التوازن السعودي في أوضح صوره، الاستفادة من ثقل الولايات المتحدة، مع الحفاظ على استقلالية القرار، وتوسيع هامش الخيارات.
تتعامل السعودية مع ايران بمنهج يمكن وصفه بالواقعية الحازمة؛ حيث لا تهاون في حماية الأمن الوطني، ولا اندفاع نحو مواجهة مفتوحة، إنها معادلة دقيقة تقوم على ردع واضح لأي تهديد، عبر تطوير القدرات الدفاعية وتعزيز الجاهزية، مقابل إبقاء قنوات التهدئة مفتوحة، انطلاقًا من إدراك عميق بأن كلفة الانفجار الشامل ستكون باهظة على الجميع. فالسعودية، وهي تدير هذا الملف، لا تنطلق من رغبة في التصعيد، بل من حرص على فرض قواعد استقرار جديدة تردع العبث وتمنع تكرار الاعتداءات.
وهنا تتجلى نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي السعودي؛ إذ لم تعد المملكة تنظر إلى خصومها بمنظار أيديولوجي صرف، بل تتعامل معهم كفاعلين يمكن احتواؤهم ضمن توازنات مدروسة، تحكمها قواعد واضحة ومصالح متبادلة، هذا التحول يمنح الرياض قدرة أعلى على إدارة الصراع بدل الانجرار إليه، ويعزز من مكانتها كقوة إقليمية مسؤولة تسعى إلى الاستقرار لا إلى تأجيج الأزمات.
ولعل ما يميز هذه المرحلة أيضًا هو الترابط العميق بين السياسة الخارجية والتحول الداخلي، فالمملكة وهي تمضي قدمًا في تنفيذ رؤيتها التنموية الطموحة، تدرك أن بيئة الاستقرار شرط أساسي لجذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام، ومن ثم فإن استراتيجيتها الإقليمية لا تنفصل عن أهدافها الاقتصادية، بل تُصاغ لخدمتها وحمايتها، وهو ما يفسر حرصها على خفض التوترات، دون التفريط في عناصر القوة.
وسوف يتكشف في المرحلة التي تأتي عقب توقف الهجمات أن السعودية لم تخرج من الأزمة كما دخلتها؛ بل خرجت أكثر إدراكًا لطبيعة التحديات، وأكثر قدرة على توظيف قوتها الاقتصادية والجيوسياسية لبناء نفوذ مستدام، إنها لا تعيد فقط ترتيب أوراقها، بل تعيد صياغة البيئة الإقليمية من حولها، وفق رؤية تتجاوز رد الفعل إلى صناعة الفعل.
وهكذا تتبلور ملامح ما يمكن تسميته بالردع الهادئ؛ إستراتيجية لا تقوم على الضجيج بقدر ما ترتكز على قوة الفعل والقدرة على التأثير الممتد، تعيد رسم خرائط التوازن في الشرق الأوسط، وتؤسس لدور سعودي يتجاوز منطق رد الفعل إلى موقع الفاعل الذي يحدد إيقاع المشهد... في الحرب كما في السلام.