هويدا المرشود
يقف الوعي اليوم في منطقة انعدام وزن؛ تلاشت كتلته الحقيقية واستحال محض استجابةٍ لحظية في فضاءٍ لا يرحم الرّكايد. الحقيقة التي لا تواريها المساحيق التقنية تكمن في «تذرير» القيم؛ فتتفتت القضايا الكبرى لتلائم ثقوب المنصّات الضيقة. ومن قوانين «العطالة» الحاكمة لاستقرار الأجسام، فإنّ الاندفاع المحموم بلا كوابح يُفقد الذات توازنها، ويجعل الوجود جُسيماً قلقاً لا يهدأ في قرار.
لقد استبدلنا «نُخاع» التجربة بـ«وميض» اللحظة، ورضينا بـ«قشور» الوصول عوضاً عن رصانة المسير. والواقع الصادم للبصيرة أنّ هذا الاستعجال ولّد نتائج «خديجة» لم يكتمل نموها؛ ويظنّ الغارقون في لجّته أنّ السرعة معيار الكفاءة، بينما هي في العمق انتحارٌ هادئ للمعدن الأصيل.
المبتغى اليوم استرداد هيبة «التأني». لا نريد ركوداً، بل «ركادة»؛ تلك القوة الشبيهة بركود الماء في أعماق الآبار صفاءً ونفعاً. نحتاج ذلك الحضور الذي لا يُقاس بالثواني، بل بـ«رسوخ» الأثر. حضورٌ يرفض الانصهار في قوالب «الصفر والواحد»، ويصرّ على أن يظل «وتداً» في أرضٍ تميد بها رياح العجلة العاتية.
التميز الحقيقي ليس فيمن «سبق»، بل فيمن «بقى». هو في قدرة المرء على أن يظل رزيناً لامنّ الكل اندفع، يعرف متى «يركد» فكره لينضج، ومتى يبسط رؤيته بوقار. القيمة ليست باللمعة التي تخطف الأبصار وتغيب، بل بالجوهر الصافي الذي كلما طال عليه الأمد، زاد ثباته وهيبته.
فيا ممسكاً بزمام الكلمة، تيقّن أنّ العجلة محض سَراب، وأنّ الأثر الصادق خُلق ليبقى، لا لِيُرى فحسب.
العبرة مهيب فيمن «بَرق»، بل فيمن «أمطَر». فكُن ثقيلاً بمدارك، رزيناً في وقفتك؛ فالجبال لا تهزها ريح الخفّة، والقيمة الحقيقية لا تستقر إلا في «الرّكايد» التي تصمد لامنّ غبار الوقت سكن، وتثبت لامنّ كلّ شيءٍ مال.