د. خالد بن محمد الصغير
لم تعد المنافسة بين الدول تُدار حصريًا عبر الجيوش والأسلحة التقليدية، بل انتقلت بدرجة متزايدة إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح ساحة مركزية للصراع والتأثير. ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي برزت أدوات جديدة تستهدف تشكيل الرأي العام، وتوجيه النقاشات السياسية والاجتماعية. ومن أبرز هذه الأدوات ما يُعرف بـالحسابات الوهمية التي أصبحت أحد أركان حروب المعلومات المعاصرة. تستخدم هذه الحسابات سواء كانت مموهة أو آلية بشكل منهجي للتأثير في المزاج العام، وصياغة السرديات السياسية، وإضعاف الخصوم، وخلق بيئات رقمية مضطربة يصعب فيها التمييز بين التفاعل الحقيقي والمصطنع.
يشكل هذا التطور انعطافة حاسمة في مفهوم القوة، حيث لم يعد مقياس الهيمنة هو حجم الجيوش أو القدرات العسكرية وحدها، بل أصبح القدرة على الجذب والتأثير الرقمي هي المعيار الجديد. هنا، يعود مفهوم «القوة الناعمة» الذي صاغه الباحث الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye) إلى الواجهة والذي يُعرّف القدرة على التأثير في سلوك الآخرين من خلال الجاذبية الثقافية والإقناع، بدلاً من الإكراه العسكري. ومع الثورة الرقمية شهد هذا المفهوم تحولًا جذريًا؛ إذ أصبحت القوة الناعمة تعتمد بشكل متزايد على أدوات رقمية قادرة على الوصول إلى ملايين المستخدمين في لحظات، مما يمكّن من إعادة تشكيل التصورات العامة، وتوجيه الاتجاهات السياسية، والتأثير في أولويات الجمهور.
وفي هذا السياق الجديد، توسعت آليات التأثير لتتجاوز المؤسسات الإعلامية التقليدية حيث أصبحت تُمارس عبر شبكات رقمية متشعبة وسريعة الانتشار، مما يفتح أبوابًا جديدة للتأثير والتوجيه.
وقد ارتبط ظهور التأثير الرقمي المنظم بتشكل أنماط جديدة من الفاعلين الرقميين الذين يعملون ضمن هياكل متنوعة رسمية، أو شبه رسمية، أو غير رسمية. ففي الفضاء الرقمي تدير جهات منظمة شبكات من الحسابات الآلية والموجهة بهدف نشر رسائل سياسية محددة، أو تضخيم قضايا معينة، أو إعادة توجيه النقاش العام لخدمة مصالحها.
وتؤكد العديد من الدراسات المتخصصة في مجال الدعاية الحاسوبية (Computational Propaganda) أن الحكومات، والأحزاب السياسية، ومجموعات الضغط باتت تستخدم هذه الأدوات بشكل متزايد للتأثير في النقاشات العامة داخل الدول أو عبر الحدود. وهذا التحول يكشف هذا التحول عن انتقال الدعاية السياسية من الأساليب التقليدية إلى أنماط أكثر تعقيدًا تعتمد على الخوارزميات، وتحليل البيانات الضخمة، والاستهداف السلوكي الدقيق للجمهور.
تتباين أدوات الحسابات الوهمية في أشكالها التقنية والتنظيمية، لكنها تتفق جميعها في هدفها الرئيسي المتمثل في توجيه الإدراك العام والتأثير في السلوك الجمعي.
ومن أبرز هذه الأدوات شبكات البوت (Bot Networks)، وهي حسابات آلية تُبرمج لنشر الرسائل وإعادة نشرها وتدويرها على نطاق واسع بهدف خلق انطباع زائف بوجود تأييد شعبي كبير، أو اتجاه عام متصاعد. وتعمل هذه الشبكات كجيش رقمي لا يعرف الكلل، حيث تضخم الأصوات المؤيدة لموقف معين أو تخلق موجات اصطناعية من الدعم.
كما تشمل هذه الأدوات مزارع التصيد (Troll Farms)وهي مجموعات بشرية منظمة تدير آلاف الحسابات الوهمية لإثارة الجدل، أو مهاجمة الخصوم، أو تعطيل النقاشات العامة عبر إغراقها بمحتوى عدائي أو الاستفزازي لخلق بيئة رقمية مشحونة تعج بالصراع. بالإضافة إلى ذلك تندرج ضمن هذه الأدوات عمليات التأثير (Influence Operations)، وهي حملات منسقة وأكثر تعقيدًا تهدف إلى توجيه النقاش العام حول قضايا سياسية، أو اجتماعية محددة، وتعتمد على استراتيجيات متقدمة مثل تحليل البيانات السلوكية، واستهداف شرائح محددة من الجمهور. أما أخطر هذه الأدوات فهي حملات التضليل الإعلامي (Disinformation Campaigns) التي تعتمد على نشر معلومات مضللة أو مشوهة أو مجتزأة من سياقها بهدف إرباك الجمهور، أو تشويه سمعة أفراد، أو مؤسسات، أو دول، أو حتى تقويض الثقة في الحقيقة نفسها، دون بالضرورة السعي لكسب النقاش.
وتؤكد الأدبيات الأكاديمية والبحثية المتخصصة أن ظاهرة الحسابات الوهمية لم تعد مجرد ممارسات هامشية، أو حالات فردية عابرة، بل أصبحت موضوعًا محوريا في دراسات الإعلام الرقمي، والسياسات الدولية. فقد تناولتها تقارير بحثية متعددة صادرة عن مؤسسات أكاديمية ومراكز دراسات مرموقة مثل معهد أكسفورد للإنترنت (Oxford Internet Institute) ، ومرصد ستانفورد للإنترنت (Stanford Internet Observatory) حيث وثقت هذه المؤسسات استخدام أدوات التأثير الرقمي المنظم في سياقات متعددة تشمل الانتخابات، والاستقطابات السياسية، فضلا عن الصراعات الجيوسياسية، والحملات الإعلامية العابرة للحدود في دول مختلفة. وتكشف هذه الدراسات أن الحسابات الوهمية تمثل امتدادًا جديدًا لحروب النفوذ؛ حيث تتداخل التكنولوجيا مع السياسة، وتتحول المنصات الرقمية إلى ميادين غير مرئية للصراع على العقول والاتجاهات. إنها حرب لا تُدار بالأسلحة التقليدية، بل بالاعتماد على بالخوارزميات والبيانات الضخمة، بهدف كسب الولاءات وهندسة الوعي الجمعي بشكل منهجي ومنظم.
وعلى الرغم من أن استخدام الحسابات المنظمة في حملات التأثير الرقمي يُعد ظاهرة عالمية عابرة للحدود، إلاّ أن الأساليب الخطابية وآليات الإقناع أو الهجوم تختلف بشكل ملحوظ وفقًا للسياق الثقافي والسياسي الذي تعمل فيه.
ففي العديد من البيئات الغربية تميل بعض حملات التأثير إلى توظيف أدوات خطابية أكثر تعقيدًا وتركيبًا، مثل السخرية السياسية والكوميديا السوداء، بالإضافة إلى نشر تقارير وإحصاءات تُستخدم لدعم رواية سياسية معينة ومنحها مظهرًا من الموضوعية والعقلانية. كما تُبنى سرديات سياسية متماسكة تُخاطب العقل من خلال التحليل والمقارنة، مما يعزز من مصداقية السرديات المروجة.
وفي المقابل تُلاحظ في بعض السياقات الأخرى كما هو الحال في عالمنا العربي هيمنة أنماط خطابية أكثر مباشرة وانفعالية، تعتمد على الشتائم والهجوم الشخصي، والتشهير المباشر، بالإضافة إلى إثارة الانقسامات الاجتماعية عبر خطاب تحريضي، ونشر الشائعات وإغراق النقاش العام بحالة من الفوضى المعلوماتية.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن هذا التمييز لا يمثل قاعدة مطلقة، إذ تُظهر الدراسات أن الخطابات العدائية وحملات التضليل موجودة في مختلف الأنظمة السياسية، وإن اختلفت في مستوى التنظيم والاحترافية؛ فالفرق الجوهري لا يكمن في وجود الظاهرة من عدمه، بل في درجة تعقيدها واحترافية تنفيذها.
ومع تصاعد دور الإنترنت في تشكيل الرأي العام تطورت ظاهرة التضليل الرقمي من مجرد نشر معلومات مضللة إلى ما يُعرف بـحروب المعلومات(Information Warfare) . وفي هذا السياق أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مركزية للصراع حيث لا انتقلت الأولوية من السيطرة على الأرض أو الموارد إلى السيطرة على السردية -أي على القصة- التي يصدقها الناس بشأن حدث أو قضية معينة.
ومن هنا تتحول الحسابات الوهمية إلى أداة فعالة في توجيه الانتباه العام سواء من خلال تضخيم بعض القضايا، أو تقليل أهمية قضايا أخرى، أو خلق حالة من الاستقطاب الحاد بين فئات المجتمع.
تُدار هذه الحملات عادةً بأساليب متقدمة تعتمد على تحليل البيانات الضخمة، ورصد سلوك المستخدمين، والاستفادة من خوارزميات المنصات الرقمية لتوسيع انتشار الرسائل الموجهة وتعزيز تأثيرها. وبذلك، لا تقتصر هذه الحرب على نشر المعلومات الكاذبة فحسب، بل تمتد إلى هندسة الوعي الجمعي من خلال التحكم في تدفق المعلومات وتوجيهها لخدمة أهداف سياسية أو أيديولوجية محددة.
وفي مواجهة هذا الواقع المتشعب يتجلى التحدي الأساسي في تعزيز الوعي النقدي لدى المتلقي؛ إذ لا يقتصر الأمر على كشف هياكل الجهات المنظمة لحملات التأثير أو تحليل آليات عملها، وإنما يمتد ليشمل دور الجمهور نفسه كعنصر محوري في المعادلة. فنجاح الحسابات الوهمية لا يتوقف على قدرات الجهات المنظمة أو احترافيتها التقنية فحسب، بل يرتبط بشكل جوهري بثلاث متغيرات رئيسية لدى المستخدمين: ضعف مهارات التحقق من المعلومات، وسرعة تداول المحتوى دون تمحيص، واستعداد الجمهور للتفاعل مع الروايات المضللة ونشرها.
لذا، يعد تعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية إستراتيجية حاسمة في المجتمعات المعاصرة، بهدف تمكين الأفراد من تمييز المعلومات الموثوقة عن المضللة، وفهم آليات التلاعب الرقمي واستراتيجيات التأثير، وتحليل الخطاب السياسي والإعلامي المتداول على منصات التواصل الاجتماعي بمنهجية نقدية. هذا التسلح المعرفي لا يقتصر على الحد من تأثير الحملات المضللة فحسب، بل يمتد إلى بناء مناعة جماعية ضد التضليل، مما يسهم في تشكيل رأي عام أكثر وعيًا واستقلالًا.
وهكذا يتضح أن الحسابات الوهمية لم تعد ظاهرة هامشية، أو سلوكًا عابرًا في البيئة الرقمية، وإنما أصبح أحد الأدوات الأساسية للصراع في العصر الرقمي حيث تستخدمه الدول، والأحزاب، وجماعات الضغط، لتوجيه النقاش العام وصناعة السرديات التي تخدم مصالحها. ومع التزايد المستمر في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي الجمعي فإن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في كشف هذه الممارسات أو الحد منها تقنيًا، بقدْر ما يكمن في بناء مجتمعات قادرة على التفكير النقدي، والتعامل الواعي مع المعلومات، ومقاومة الانخداع بالسرديات المصطنعة داخل الفضاء الرقمي.