نجلاء العتيبي
أسئلةُ الأطفال لا تُقال على هامش الكلام، إنما تقع في مركزه دون أن تُعلن ذلك تمرُّ بصوتٍ خفيفٍ؛ غير أنها تترك أثرًا لا يزول بسهولة، هي لا تُربك؛ لأنها معقَّدة، إنما لأنها تصل إلى مواضع لم نعُد نقترب منها، مواضع غطاها التكرار حتى بدت آمنةً ثم جاء السؤال فكشف هشاشتها.
فحين يسأل الطفل فهو لا يستدعي معرفة سابقة، ولا يتحرَّك داخل قوالب جاهزة، إنما ينظر كما لو أن كلَّ شيء يحدث لأول مرة، هذه النظرة لا تبحث عن إجابة سريعة، إنما ترفض أن تُغلق قبل أن تفهم؛ لذلك يبدو السؤال وكأنه يتأخَّر في الانتهاء؛ لأنه لا يقبل الاكتمال الناقص.
الصمت الذي يتبع سؤال الطفل ليس فراغًا في الرد، إنما ارتباك في الداخل.
نحن لا نتوقَّف لأن الكلمات غابتْ، إنما لأن ما نحمله من إجاباتٍ لا يصمد أمام هذا النوع من التساؤل، تتكشف فجأةً مسافةٌ بين ما نقوله وما نعتقده، بين ما اعتدنا عليه وما يمكن الدفاع عنه.
فالطفل لا يسأل ليصل إلى نتيجةٍ، بل ليُبقي الباب مفتوحًا... هو لا يساوم على الفهم، ولا يستبدل الوضوح بالطمأنينة؛ لذلك يعود إلى السؤال نفسه، لا تكرارًا، إنما لأن الإجابة لم تُغلقه من الداخل، هذا الإصرار ليس عنادًا، إنما التزام بما يشعر أنه لم يكتمل، في هذه اللحظة تفقد اللغة قدرتها على التمويه، فكل عبارة جاهزة تبدو أضعف مما ينبغي، وكل التفاف يظهر على حقيقته.
نحاول أحيانًا أن نُغيّر المسار أو أن نُقدّم إجابة كافية شكليًّا، غير أن السؤال يظل قائمًا كأنه ينتظر ما هو أصدق من الصياغة.
أسئلة الأطفال لا تختبر ما نعرفه، إنما تكشف كيف نعرفه، هي لا تقيس حجم المعرفة بل تضعها في مواجهة مع ذاتها، قد نمتلك تفسيرًا.. غير أننا لا نطمئن إليه أو نُدرك أنه لا يحتمل هذا القدر من الوضوح، وهنا يظهر الفرق بين إجابة تُقال، وأخرى يمكن الوقوف خلفها.
في كل سؤال توجد فرصة لا تتكرَّر بالشكل نفسه... فرصة لأن نرى ما اعتدناه دون أن نراجعه، وأن نعيد النظر دون أن نفرض نتيجة مسبقة، هذه العودة ليست تراجعًا ولكن هي اقتراب من أصل ٍلم يُستنفد من معنى لم يُستهلك بعد.
قد لا يكون المطلوب أن نُجيب بقدر ما نكون حاضرين، وأن نُصغي دون استعجال، وأن نسمح للسؤال أن يكمل أثره.
حين نعترف بأننا لا نملك جوابًا مكتملًا؛ فإننا لا نخسر موقعنا، بل نُعيد تعريفه على أساس أكثر صدقًا.
فأسئلة الأطفال لا تغيّر العالم دفعة واحدة، غير أنها تمنعه من أن يستقرَّ على ما لا يُفهم، تُبقي المعنى في حالة يقظة، وتفتح في كل مرة مسارًا لم يكن مرئيًّا، وحين نُصغي لها كما ينبغي فإن ما يتغيّر ليس السؤال وحده، إنما نحن أيضًا.
نعم... ما ينكشف لا يعود كما كان حتى لو بدا كلُّ شيء في مكانه.
ضوء
«سؤال الطفل يخترق صمتًا اعتقدنا أنه صلب، يزرع شقوقًا فيما يبدو مألوفًا، يجعل الزمن يتوقَّف للحظة حيث تنكشف تفاصيل الحياة من جديد...».