عبدالله صالح المحمود
في السياسة، لا تُهدر الفرص بسبب ضعف الإمكانات.. بل بسبب التردد في استخدامها في اللحظة التي تصنع الفارق.
فالقرار، في جوهره، ليس مجرد فعل، بل توقيت.
غير أن الإشكالية التي تواجه بعض الفاعلين لا تكمن في محدودية القدرات، بل في التردد في استخدامها.
حالة من «الانتظار المحسوب» تتحول تدريجيًا إلى نمط ذهني، يُغلف التردد بعباءة الحكمة، ويُعيد تعريف التأجيل بوصفه خيارًا إستراتيجيًا، بينما هو في حقيقته تعطيل للقرار.
والمشكلة ليست في نقص القدرة، بل في ترددٍ يُدار أحيانًا وكأنه سياسة.
وفي بعض السياقات، لا يعكس تأجيل القرار حذرًا إستراتيجيًا، بقدر ما يعكس عجزًا عن حسمه.
في التقديرات الاستخباراتية، لا تُقرأ اللحظة بوصفها حدثًا معزولًا، بل كنقطة تقاطع بين معطيات متحركة: نوايا، وقدرات، وبيئة، وسلوك متوقع.
ومن يمتلك القدرة على قراءة هذا التقاطع لا ينتظر اكتمال الصورة، بل يسهم في تشكيلها.
المشكلة أن بعض القراءات تبقى أسيرة «الاكتمال النظري»، فتُرجئ القرار إلى حين اتضاح جميع المؤشرات.
لكن في البيئات المعقدة، لا توجد لحظة مكتملة، وكل تأخير في الفعل يفتح نافذة لفعلٍ مضاد.
وهذا النمط لم يعد ترفًا يمكن احتماله في بيئة إقليمية مفتوحة على التنافس.
في إحدى البيئات الإقليمية المتوترة، حيث تتقاطع المصالح وتتسارع التحولات، لم يكن التحول في موازين التأثير نتيجة تصعيد مباشر، بل نتيجة فراغ..
فراغ نشأ عن قرار لم يُتخذ في وقته.
ذلك الفراغ لم يدم طويلًا؛ فقد تم ملؤه بسرعة من قِبل فاعلٍ آخر، لم يمتلك بالضرورة تفوقًا نوعيًا، لكنه امتلك ما هو أكثر حسمًا: الاستعداد لاقتناص اللحظة.
في السياسة، الفرص لا تضيع..
بل يُعاد توزيعها.
التفكير الزائد، حين يتجاوز حدّ التحليل إلى تعطيل القرار، لا يمنح ميزة إضافية، بل يخلق فجوة زمنية بين الإدراك والفعل.
وهذه الفجوة، في البيئات التنافسية، هي المساحة التي يُبنى فيها نفوذ الآخرين.
اللحظة لا تنتظر أحد.
الخطورة لا تكمن في اتخاذ قرار غير مثالي، بل في تفويت قرار كان يمكن أن يُعيد تشكيل المشهد.
الدول التي تُحسن قراءة الإشارات المبكرة، وتتحرك ضمن هامش محسوب من المخاطرة، تملك القدرة على المبادرة وصناعة الوقائع.
أما تلك التي تُفرط في انتظار «اللحظة المكتملة»، فإنها غالبًا ما تصل متأخرة.. إلى واقع لم تُسهم في تشكيله.
في النهاية، ليست كل الفرص واضحة حين تظهر، وليست كل اللحظات قابلة للتكرار.
لكن المؤكد أن التردد، مهما بدا عقلانيًا، قد يكون الصيغة الأكثر تهذيبًا.. للخسارة.