د. سفران بن سفر المقاطي
لقد ظلت العولمة، وعلى مدى عقود طويلة من الزمن، تروج لفكرة متجذرة مفادها أن التشابك الوثيق للمصالح التجارية بين الدول يمثل حصنا منيعا للاستقرار العالمي. فقد كان يعتقد أن الكلفة الباهظة للانفصال الاقتصادي ستجعل من أي مواجهة خيارا غير عقلاني، بل مجرد سفاهة لا يقبلها المنطق السوي.
غير أن ما شهده الكون منذ منتصف العقد الماضي قد جاء ليقلب هذه المعادلة رأسا على عقب، ويبدل مفاهيم طالما رسخت في الأذهان. فلم تعد سلاسل الإمداد، تلك الشبكات المتشعبة، مجرد مسارات لنقل المواد الخام والسلع المصنعة والتقنيات المتطورة، بل تحولت بفعل تغير الظروف إلى واحد من أبرز الميادين الرحبة للصراع على النفوذ والسيادة بين القوى العظمى.
فمن الحرب التجارية الأمريكية - الصينية، مرورا بجائحة كورونا التي عصفت بأرجاء الكون، وصولا إلى الحرب الروسية-الأوكرانية التي غيرت ملامح الطاقة والغذاء، كشفت الأزمات المتتالية أن من يمسك بمفاصل الإمداد ويتحكم في شرايينها، يمتلك أوراق ضغط لا تقل فعالية عن الأدوات التقليدية للقوة العسكرية أو الاقتصادية المحضة.
لقد شيدت بنية سلاسل الإمداد في عصرنا الحديث على أسس راسخة من منطق الكفاءة القصوى؛ أي تركيز عمليات الإنتاج في المواقع التي تتميز بأدنى التكاليف الممكنة وأعلى درجات التخصص والإتقان، دون الالتفات كثيرا للتوزع الجغرافي لهذه المصانع أو الحسابات السياسية التي قد تترتب على ذلك. لقد أنتج هذا النموذج شبكات بالغة التعقيد والتشابك، تبدو ظاهريا كأنها قادرة على الصمود، لكنها في جوهرها تحمل في طياتها هشاشة بنيوية عميقة، إذ يكفي أن تتعطل حلقة واحدة من حلقات هذه السلاسل المتصلة، حتى تتداعى أجزاء واسعة من المنظومة بأكملها، كأحجار الدومينو التي تتساقط واحدة تلو الأخرى. وقد تجلت هذه الهشاشة بوضوح مؤلم حين اجتاحت جائحة كورونا العالم، متسببة في شلل شبه تام في خطوط التصنيع وشبكات النقل على امتداد الكرة الأرضية، فعجزت دول كبرى ومتقدمة عن تأمين الإمدادات الضرورية من الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، لأن إنتاجها كان متمركزا بشكل كبير في عدد محدود من المصانع البعيدة جغرافيا.
لقد دفعت هذه التجربة القاسية صناع القرار وواضعي السياسات إلى إعادة تقييم جذري وشامل لأولوياتهم.
فلم يعد السؤال المحوري الذي يشغل ألسنتهم وعقولهم هو: «من أين يمكننا الحصول على السلعة بأقل التكاليف الممكنة؟» بل تجاوز الأمر ذلك لتضاف إليه أسئلة أخرى أكثر إلحاحا وعمقا، تفرض نفسها بقوة على الساحة الدولية. منها: «ما هي البدائل المتاحة والخيارات المتوفرة في حال انقطاع هذه السلاسل الحيوية؟ وهل يمكن للمورد الأساسي أن يحول هذا الاعتماد المتبادل إلى ورقة ضغط ونفوذ سياسي، تستخدم لتحقيق مآرب معينة؟ وكم من الوقت سيلزم لتعويض النقص الحاد الذي قد ينتج عن هذا الانقطاع؟» هكذا شهد العالم انتقالا تدريجيا، لكنه حاسم، من عصر كانت فيه الكفاءة الاقتصادية هي المعيار الأوحد والمطلق، إلى عصر جديد تتصدر فيه المرونة والقدرة على التكيف والتحوط ضد المخاطر، صدارة الاهتمام والتخطيط، مدركا أن الاستقرار أولى من الربح الأعظم.
ولعل صناعة أشباه الموصلات تقف شاهدا بينا ونموذجا ساطعا على كيفية تسييس سلاسل الإمداد وتحويلها إلى أداة جيوسياسية فاعلة. فهذه الرقائق الدقيقة، التي تمثل العصب الحيوي لكافة الصناعات الرقمية المعاصرة، والقاعدة التي ترتكز عليها التقنيات العسكرية المتطورة، وعماد الذكاء الاصطناعي الذي يشكل مستقبل العالم، إلى جانب كونها ركنا أساسيا في تصنيع السيارات الحديثة وأنظمة الاتصالات، يتركز إنتاجها المتقدم في نطاق جغرافي ضيق للغاية، مما يجعلها نقطة ضعف وقوة في آن معا.
لقد أدركت واشنطن مبكرا، ببصيرة ثاقبة، أن التحكم في حلقات هذه السلسلة الإستراتيجية يمنح نفوذا هائلا وتأثيرا بالغ الأثر على مسار التقدم التقني والاقتصادي العالمي. لذا، بدأت منذ عام 2018م بفرض قيود متصاعدة ومتتالية على وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة في هذا القطاع الحساس. ثم لم تلبث أن وسعت نطاق هذه القيود في عامي 2022م و2023م، لتشمل معدات التصنيع الدقيقة والبرمجيات المتخصصة، وحتى الخبرات البشرية المتميزة. ولم تقف بكين موقف المتفرج السلبي أمام هذه التحديات، بل سارعت بخطى حثيثة إلى ضخ استثمارات ضخمة وغير مسبوقة في سبيل تطوير قدراتها المحلية لإنتاج الرقائق بشكل مستقل، كما لجأت إلى توظيف هيمنتها على بعض المعادن النادرة والمواد الخام الحيوية، بوصفها أداة ردع مضادة. وبحلول عام 2026م، تجاوز ملف الرقائق حدود النزاع التجاري المحض ليصبح عنوانا لسباق طويل الأمد وشامل على إعادة رسم خريطة الصناعة التكنولوجية العالمية بأكملها.
أما في ميدان صناعة الطاقة، فقد قدمت العلاقة المتشابكة بين أوروبا وروسيا درسا بليغا وقاسيا في آن معا، مسلطة الضوء على المخاطر الجسيمة للتبعية الاقتصادية المفرطة. فلسنوات طويلة ومتتالية، ظلت القارة الأوروبية تعتمد بشكل كبير وجوهري على الغاز الروسي لتغذية صناعاتها وتدفئة مدنها، وذلك على الرغم من التحذيرات المتكررة التي كانت تنطلق من هنا وهناك، منبهة إلى التداعيات السياسية الخطيرة التي قد تنجم عن هذا المسار. ومع اندلاع نيران الحرب في أوكرانيا في عام 2022م، وجد الطرفان، موسكو وأوروبا، أنفسهما في مواجهة معقدة، أمام معادلة ضغط متبادل وشد وجذب. فقد أمسكت موسكو بورقة الإمداد بالطاقة، مستخدمة إياها كأداة للضغط السياسي، بينما لجأت أوروبا بدورها إلى سلاح العقوبات الاقتصادية القاسية، وأعادت توجيه سياساتها في قطاع الطاقة بشكل جذري.
لقد أدت هذه المواجهة المريرة إلى ارتفاعات حادة وغير مسبوقة في أسعار الطاقة، وتكاليف معيشية وصناعية ثقيلة أثقلت كاهل المواطنين والشركات على حد سواء. لكنها في الوقت ذاته، دفعت أوروبا بقوة نحو إعادة هيكلة واسعة وشاملة لمصادر استيرادها للطاقة، عبر التوسع في استخدام الغاز المسال وتطوير مشروعات الطاقة المتجددة، وتعزيز مشروعات الربط البيني لشبكات الطاقة.
وبحلول عامي 2025م و2026م، أحرزت أوروبا نجاحا ملحوظا في تقليص تبعيتها للغاز الروسي بدرجة ملموسة، غير أن الثمن الاقتصادي الباهظ الذي دفعته لتحقيق هذا التحول قد أكد حقيقة جوهرية لا مرد لها: إن بناء علاقات الاعتماد الاقتصادي يستغرق سنوات طويلة من التراكم الهادئ وبناء الثقة، أما تفكيكها والتخلص منها فيتم تحت وطأة الأزمات القاسية، وبكلفة أشد بكثير مما يمكن تخيله.
كما كشف ملف الغذاء عن الوجه الإنساني الأشد مرارة وقسوة في توظيف سلاسل الإمداد. فالحرب الدائرة في أوكرانيا، التي تعد سلة خبز العالم، لم تعطل إنتاج الحبوب وتصديرها إلى الأسواق العالمية فحسب، بل أدت إلى زلزال عنيف هز أسواق الغذاء والأسمدة في مناطق واسعة من العالم، وخاصة في قارة أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، التي تعتمد بشكل كبير على الواردات.
لقد ارتفعت الأسعار بصورة حادة ومفاجئة، متسببة في تعاظم الضغط الاقتصادي والاجتماعي على الدول المستوردة التي تتسم بمحدودية الموارد وضعف الإمكانيات.
وهكذا، تحول الغذاء، الذي هو عصب الحياة وسلعة معيشية أساسية لا غنى عنها، إلى ورقة تفاوض ومساومة في الصراعات الدولية، تستخدم لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أرواح البشر.
والمفارقة الأشد إيلاما هي أن الأذى الأكبر لم يصب أطراف الحرب المباشرين وحدهم، بل امتدت آثاره الوبيلة إلى مجتمعات بعيدة، لا ناقة لها في النزاع ولا جمل، أي لا صلة لها به من قريب أو بعيد، لكنها تقع للأسف الشديد في الحلقة الأضعف من شبكة الاعتماد العالمي المتشابكة، فكانت ضحية لصراعات لم تكن طرفا فيها.
ومع تسارع وتيرة التحول العالمي نحو اقتصاد رقمي متطور وطاقة نظيفة مستدامة، برزت جبهة جديدة للصراع والتنافس، تتمحور حول مواد حرجة وحيوية، كالليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة. هذه المواد، التي تعد عصب الصناعات المستقبلية من بطاريات وأجهزة إلكترونية متقدمة، يتركز إنتاجها وتكريرها في نطاق جغرافي محدود للغاية، مما يجعلها عرضة للتسييس والاستخدام كأداة ضغط سياسي واقتصادي، على غرار ما حدث مع النفط والغاز في عقود سابقة. فمن يمتلك مفاتيح هذه المواد، يمسك بأوراق ربما تغير مسار التقدم التقني. وإلى جانب ذلك، أبرزت الاضطرابات المتكررة في بعض الممرات البحرية الحيوية، التي تمثل شرايين التجارة العالمية، وكذلك الهجمات التي استهدفت خطوط الشحن البحري، حقيقة لا مرد لها: وهي أن سلامة وأمن طرق النقل، برها وبحرها وجوها، قد باتت هي الأخرى جزءا لا يتجزأ وعنصرا أساسيا من مفهوم الأمن الشامل للدول، ولم تعد مجرد مسألة لوجستية بحتة.
لهذا، فقد أنتجت كل هذه المعطيات والتحديات التي سبق ذكرها، تحولات جوهرية وملموسة في النهج والسياسات العامة للدول الكبرى والصاعدة. فقد اتجه الكثير منها، مدفوعا بهاجس الأمن والاستقلال، إلى إعادة توطين بعض الصناعات الحساسة والحيوية داخل حدودها الوطنية، أو نقلها إلى دول حليفة وموثوقة، تشاركها الرؤى والمصالح، وذلك فضلا عن بناء مخزونات استراتيجية ضخمة من المواد الأساسية، وتنويع الشركاء التجاريين لتقليل الاعتماد على مصدر واحد. كما عادت الحكومات للتدخل بصورة مباشرة وفاعلة في قطاعات كانت تترك سابقا لآليات السوق الحرة وقوى العرض والطلب، لا سيما في مجالات الطاقة والدواء والاتصالات والتقنيات المتقدمة، التي تعد روافد أساسية لأمن الدولة ورفاهية شعبها. بذلك لم تعد الدولة مراقبا هامشيا لحركة التجارة العالمية، بل استعادت دورها الأصيل والمحوري بوصفها فاعلا أساسيا في إدارة أمن الإمداد وضمان استمراريته. وعلى الرغم من أن هذا التحول لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية العولمة بمعناها الشامل والكلي، فإن العودة إلى الاكتفاء الذاتي الكامل تعد خيارا غير واقعي وغير ممكن من الناحية الاقتصادية البحتة. إن ما يجري فعليا هو إعادة تشكيل لمفهوم العولمة في صيغة أكثر حذرا وأقل ثقة في الانفتاح غير المشروط، حيث لم يعد الهدف هو قطع الروابط الاقتصادية بشكل كلي، بل تقليل مخاطرها ومنع تحولها إلى نقاط اختناق حرجة يمكن أن تشل من خلالها اقتصادات بأكملها، فتتوقف عجلة الحياة والتقدم.
وتكتسب هذه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية أهمية مضاعفة وبالغة الأثر في السياق العربي، الذي يتسم بخصوصيات فريدة. فقد ظل عدد لا يستهان به من الدول العربية يعتمد، بدرجات متفاوتة ومتباينة، على الخارج في تأمين قطاعات حيوية وجوهرية لاستمرار الحياة والتقدم، كالغذاء الذي يعد قوت الشعوب، والدواء الذي يحفظ الأرواح، والتقنية التي تدفع عجلة التطور، والطاقة المكررة التي تحرك الصناعات. وهذا الاعتماد يجعل من أمن الإمداد قضية استراتيجية عليا، لا تقل خطورة وأهمية عن الأمن العسكري بأبعاده المختلفة.
لقد دفعت أزمات السنوات الأخيرة، بقسوتها وشدتها، بعض العواصم العربية إلى اتخاذ خطوات عملية وإجراءات ملموسة، شملت توسيع المخزونات الاستراتيجية للحبوب والمواد الأساسية، وتطوير البنى التحتية للموانئ والمنشآت اللوجستية، وتنويع مصادر الاستيراد لتقليل المخاطر، والدخول في شراكات زراعية وصناعية مع دول خارجية، وتعزيز الربط الإقليمي لشبكات الطاقة والنقل. بيد أن هذه الجهود، على أهميتها وجديتها، تظل بحاجة ملحة إلى رؤية أشمل وأعمق، تقوم على رصد مواطن الانكشاف والثغرات بدقة متناهية، وتحديد القطاعات الأكثر هشاشة وعرضة للصدمات، وصياغة سياسات تحوط طويلة المدى، تضمن الاستقرار والتنمية في ظل تقلبات العالم.
وفي ختام المطاف، يتجلى الدرس المحوري والجوهري الذي تقدمه لنا تحولات العقد الأخير بوضوح لا يقبل الشك: إن الاعتماد المتبادل بين الدول ليس خيرا مطلقا يستبشر به على الدوام، ولا شرا محضا يتوقى منه بشكل دائم، بل هو علاقة مركبة ومتشابكة، تنطوي في جوفها على فرص سانحة للتعاون البناء والتكامل الاقتصادي، بقدر ما تحمل في طياتها إمكانيات خطيرة للإكراه والضغط السياسي. وكلما زاد تركز مصادر الإمداد في يد طرف واحد، وتقلصت البدائل المتاحة أمام الأطراف الأخرى، ارتفعت بشكل ملاحظ قابلية هذا الترابط للتحول إلى أداة قسر وإجبار، تستخدم لفرض الإرادات وتحقيق المصالح. لذلك، فإن التحدي الحقيقي والأكبر الذي يقف شامخا أمام الدول في عصرنا هذا، لا يكمن في الانكفاء على الذات وإغلاق الأبواب أمام العالم، بل في بناء توازن ذكي وحكيم بين الانفتاح الاقتصادي على الأسواق العالمية والاستفادة من مزايا العولمة، وبين تعزيز القدرة على الصمود والمرونة في مواجهة الصدمات والأزمات المفاجئة.
ولقد بات جليا وواضحا كالشمس في رابعة النهار، أن مقاييس القوة في النظام الدولي المعاصر لا تقاس بعدد الجيوش الجرارة أو بحجم الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل تقاس كذلك بالقدرة على تأمين التدفقات الحيوية والضرورية لاستمرار الحياة والتقدم، من غذاء يشبع الجياع، وطاقة تنير الدروب، ودواء يشفي الأسقام، وتقنية تبني المستقبل، أو بالقدرة على التحكم في هذه التدفقات وتوجيهها.
فمن يقرأ صفحات السياسة الدولية اليوم دون فهم عميق لخرائط الإمداد وتشابكاتها، لا يرى سوى نصف المشهد الكامل، ويفقد جزءا كبيرا من الصورة الحقيقية. أما النصف الآخر، فيصنعه ذلك العالم الصامت الذي يتكون من الموانئ الصاخبة بالحركة، والمصانع التي لا تتوقف عن الدوران، والممرات البحرية التي تعبرها السفن، والأنابيب التي تحمل الطاقة، والمخازن التي تحتضن السلع، حيث ترسم موازين القوة الجديدة بعيدا عن أضواء الكاميرات وصخب التصريحات السياسية، لكن بأثر عميق وفاعل يفوق كثيرا ما تصنعه الشعارات البراقة والخطابات الرنانة.