صالح الشادي
ما بين توقعات البعض لدور عسكري خليجي مباشر في حرب غزة، وواقع الجغرافيا السياسية، فجوة عميقة. دول الخليج بنت إستراتيجيتها على التنمية والدبلوماسية، ولم يكن منطقياً أن تُقحم نفسها في مواجهة مفتوحة نيابة عن مغامرة غير محسوبة. وقدّمت دعماً اقتصادياً وإنسانياً ولوجستياً غير مسبوق، إضافة إلى حراك دبلوماسي كثيف أوقف العدوان.
الاتهامات لها بـ«التخلي» أو «تمويل الحرب» لا تصمد أمام حجم المساعدات التي شكلت شريان حياة لغزة.
لكن ما زاد الأمور تعقيداً هو المشهد في التصعيد الإيراني الأخير: دول الخليج التي التزمت الحياد تعرّضت لضربات إيرانية تجاوزت ما استهدف إسرائيل، فيما خرجت أصوات عربية وفلسطينية تسخر وتصف إيران بـ«المقاومة»، مرددة «ذوقوا ما ذقنا». هذا التناقض يعكس انحيازات سياسية عميقة، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً نفسية تستحق الوقوف عندها.
من الناحية النفسية، يمكن قراءة هذه المواقف كآلية إسقاط جماعي: مشاعر العجز والإحباط التي يعيشها البعض تجاه واقعهم تُسقط على «الآخر» الخليجي الأكثر استقراراً وازدهاراً، فيتحول إلى كبش فداء يُتهم بالتقصير رغم ما قدمه.
كما أن لغة «ذوقوا ما ذقنا» تكشف عن حسد مكبوت، بل عن رغبة في إعادة توزيع الألم كتعادل وهمي، فبدلاً من طلب رفع المعاناة عن غزة، هناك من يريد جر الخليج إليها لتسوية الحساب النفسي.
ثمة ظاهرة «تحديد الهوية مع المعتدي» حيث تُسقط بعض الأصوات إحباطها على من يملك القوة والثبات، فتتحول إلى تبني خطاب المعتدي الفعلي (إيران) الذي يضرب الخليج، بينما توجّه سهامها لمن كان السند الحقيقي. هذه الآلية تفسر كيف يمكن لجهات عربية أن تصمت عن قصف إيراني لأراضٍ عربية وتنشغل بالشماتة بالضحايا.
كما أن النرجسية الجريحة تلعب دوراً: الاعتراف بالدعم الخليجي الكبير يعني الاعتراف بالعجز الذاتي، وهو ما يصعب على البعض هضمه نفسياً، فيلجأ إلى إنكار الواقع أو قلبه.
دوافع هذه المواقف السياسية معروفة: إرث خلافات إقليمية واستقطاب حاد وغياب موقف عربي رسمي حازم. لكن التحليل النفسي يضيف بعداً أعمق: الإحباط الذي لا يجد متنفساً يتحول إلى عداء موجه نحو من يبدو أكثر قدرة واستقراراً، وكأن معاقبة الخليج أصبحت غاية في حد ذاتها تعويضاً عن عجز آخر.
هذه التطورات ستؤثر على الموقف الخليجي مستقبلاً: إعادة تقييم الأولويات، والاعتماد على الذات أمنياً، وربط الدعم بمعايير واضحة تضمن الاحترام المتبادل. الانكفاء على الذات بات خياراً مطروحاً، وهو خسارة للجميع وخاصة للقضية الفلسطينية التي وجدت في الدعم الخليجي سنداً أساسياً.
المشهد اليوم ليس مجرد أزمة سياسية، بل اختبار نفسي وجماعي: هل نستطيع تجاوز آليات الإسقاط والحسد والهجوم على من يمد يد العون، أم نبقى أسرى لعقد تجعل العدو صديقاً والصديق عدواً؟ التضامن الحقيقي لا يُبنى على الشعارات ولا على رغبة خفية في جر الآخرين إلى الهلاك، بل على مصالح مشتركة واحترام متبادل.
والسؤال الأعمق: أين كانت هذه الأصوات حين كان الخليج يذوق ما لم يذقه أحد؟ وهل آن الأوان لكسر دائرة الإسقاط والعودة إلى سؤال المصير المشترك؟