أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
إنَّ شِعار «كشف المسكوت عنه» في النصِّ الأدبي شِعارٌ زائف في كثير من استعمالاته؛ من حيث إنَّه لا بُدَّ أن يوجد مسكوتٌ عنه ما في كلِّ مجتمعٍ طبيعي. بل إنَّ مجتمعًا بلا نِسبة مسكوت عنه ليس بمجتمعٍ إنسانيٍّ أصلًا، بل هو غابة، بلا نظامٍ اجتماعي، ولا قانونٍ معرفي، أو علاقات أخلاقيَّة. ولذا من المهمِّ، والحالة هذه، أن نحرِّر أُفهومنا حول «المسكوت عنه»، في ضوء الدِّين والقوانين والأعراف، ماذا نعني به؟ وأيُّ مسكوتٍ عنه؟ وهل كلُّ المسكوت عنه يقال؟ وما الغاية من وراء تحويل المسكوت إلى منطوق أو مكتوب؟ آلفضح أم الإصلاح؟ وهل نعتقد أننا نُصلِح بكشف تلك المسكوتات عنها؟ ثمَّ أيُّ الكفَّتَين سترجح: المصلحة أم المفسدة؟ هل نشر الرذائل، وإشاعة الفواحش، والأعمال الإجراميَّة، وساقط الأقوال والأفعال، ومنحطَّات الأخلاق والسلوكيَّات، في الأعمال الأدبية، ولاسيما الروائيَّة، هي من الأدب في شيء؟ أم أنَّ الهدف، المباشر أو غير المباشر، إنما هو تطبيع القرَّاء، من صغارٍ ومراهقين وكبار، على استساغة ما لا يُستساغ، وعدم الاشمئزاز منه، وتجميل أبطاله، وجعلهم نماذج يُتعاطف معها، ونجومًا يُهتدَى بها؟ وهل ذلك كلُّه تبرِّره لافتة «كشف المسكوت عنه في المجتمع»؟ أم هو يندرج في ما يمكن أن يُسمَّى (الجرائم الأدبيَّة)، التي ينبغي أن تشملها أنظمة مكافحة الفساد في المجتمعات المعاصرة؟
قلتُ لـ(ذي القُروح)، وهو مسترسلٌ في مساءلاته:
ـ ثُمَّ هل حقًّا ما تُبالغ في تصويره بعض الروايات هو (كشف مسكوتٍ عنه)؟ أم هو (نطق بغير موجود، لكي يكون موجودًا واعتياديًّا)؟!
ـ ما تطفح به بعض الأعمال هو حالات، نادرًا ما سمع بها أحدٌ منَّا في محيطه الاجتماعي. وأقلُّ ما يقال عنها- إنْ وُجِدتْ- إنها تقع في شريحة معيَّنة، لا يصحُّ تعميمها وإشاعة تصوير المجتمع قاطبة بها. ينطبق عليها الحديث: «إذا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ!»
ـ وهذا يدلُّ على أنَّ المبالغات في تصوير الواقع تضرُّ أكثر ممَّا تنفع.
ـ على أنَّ الحديث المشار إليه يوظَّف عادة في واقعنا توظيفًا طريفًا حقًّا، يدلُّ على أنَّ كلَّ طرفٍ يستغلُّ أيَّ حُجَّةٍ لتبرير موقفه. فالمحافظون يُدلون بالحديث في مواجهة ما تُصوِّره بعض الأعمال الروائيَّة والسينمائيَّة في المجتمع من تفسُّخ، على حين أنَّ المحافظين أنفسهم لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من ضلال وانحلال! والليبراليُّون- أو هكذا يُنعَتون- يوظِّفون الحديث في مواجهة تُهَم المحافظين لتبريء أنفسهم ممَّا يُوجَّه إليهم. على حين أنَّ الليبراليِّين لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من انحرافٍ أخلاقيٍّ من خلال أعمالهم السَّرديَّة، قائلين: إنَّ هذا هو المجتمع، وهو غير ملائكيٍّ ولا طهوري، ويجب كشف ما فيه!
ـ فأين الحقيقة الضائعة بينهما؟
ـ إنَّ السبب في ضياع الحقيقة لدَى الأطراف كافَّة أنَّ المكاييل غير عادلةٍ ولا موضوعيَّة، وإنَّما هي تعلو بحسب الميولات وصراع الأفكار وتهبط، وإلَّا فليس ثمَّة مجتمعٌ ملائكيٌّ ولا مجتمع شيطاني، بحالٍ من الأحوال، فالخير والشرُّ مترافقان منذ آدم وحوَّاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. بل إنَّ هذه الثنائية (الخير والشر) قد خلخلتها الآية: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، قبل قرون من استيقاظ الوعي الفلسفي المسيحي الجديد في (أوربا)، المنتهي إلى وحدة الوجود، وإنكار الثنائيات المتضادَّة، من قبيل الخير والشَّر.(1)
تلك هي الأسئلة التي يجب أن نواجهها، بصرامةٍ ومسؤولية، لا ببلاهةٍ ببغائيَّة، ومحاكاةٍ اتباعيَّة، تُلغي العقل لحساب التماثل مع السائد في ثقافات أخرى. هذا إنْ كُنَّا نستشعر مسؤوليَّة الكلمة، قبل رفع عقيرة «كشف المسكوت عنه»، وترديدها، أو رفع لافتة «الجرأة في الأدب»، والتفاخر بها، ليكون ما يُدَّعَى من كشف الرواية للمسكوت عنه كشفًا للرواية نفسها والراوي، ويصبح فضحُ المستور الاجتماعي فضحًا للروائي ذاته وللرواية، وتعريةً للمستور النفسي والتربوي لدَى الكاتب.
ـ ماذا تعني؟
ـ أعني أنَّ شعار «كشف المسكوت عنه» يوظَّف في الأعمال الروائيَّة (السوسيوتجاريَّة) العَرَبيَّة في غير محلِّة، إمَّا لغفلةٍ عن مفهومه الحقيقي أو لتغافل ومغالطة مقصودة. ذلك أن «كشف المسكوت عنه» إنما يعني الاعتراف بوجود ظواهر سلبيَّة، ممَّا لا يُعترَف بها عادة، بهدف نقدها وتقويمها. ذلك هو الهدف الإنساني الأسمى، لا الفضح، والانفضاح، ونشر كلِّ مستقبَحٍ ومسترذَل، ذوقًا وعُرفًا ودينًا. أمَّا ما هو حادث الآن، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة، فهو ضروبٌ من «الاعترافات» بما ستره الله على الصالحين من خلقه أو الطالحين، بل الإمعان في اختلاقاتٍ مكشوفةٍ ومبالغاتٍ ممجوجة، وكأنَّ المقصد هو: تطبيع المجتمع على المجاهرة بالخطيئة والتباهي بها، لنشرها بين الناس في أكبر شريحة ممكنة.
ـ بل الترويج لها وترسيخها في الجيل الصاعد/ النازل. حتى إنَّ هناك من المنظِّرين مَن تراهم ما زالوا يندبون حظَّنا المتردِّي في الوصول إلى الحوافِّ القصوَى في هذا الميدان، فهم غير راضين عن جرأة السيرة الذاتيَّة العَرَبيَّة، ولا الرواية العَرَبيَّة، ولا القناة الفضائية العَرَبيَّة، ولا الفيلم السينمائيِّ العَرَبي، على التعرِّي بالقدر الكافي، ووَفق المقاييس الغربيَّة العُليا!
ـ نعم، فالمطلوب ما زال أكثر وأكبر وأوسع، وإلَّا فنحن ما ننفكُّ مجتمعًا نفاقيًّا، ذُكوريًّا، بطرياركيًّا، ظلاميًّا، يعمل بمبدأ التقيَّة، ويدَّعي العِصمة، إلى آخر القائمة السوداء من النعوت التي لا تملُّ الأفواه ولا الأقلام من اجترارها في هذا السياق. وما لم يتحوَّل النصُّ إلى قائمة من الرذائل فليس بنصٍّ، حسب هؤلاء الجوقة من الأدباء والنقَّاد، بل ليس بأدب، ولا بجريءٍ في طرحه، ولا بتنويريٍّ بما يتماشَى مع الطموحات المنشودة!
ـ لكن هذا يعني تحويل فن الرواية إلى سِيَر اعترافيَّة!
ـ لفنِّ (السِّيرة الاعترافيَّة) وجهان: وجهٌ سقيمٌ سخيف، إنَّما هدفه اجترار الرذائل، والالتذاذ بذلك الاجترار، لدناءة في النفس، واعوجاج في الطبع. وهو عملٌ مريضٌ لا قيمة له، لا أدبيًّا ولا نفسيًّا ولا اجتماعيًّا. ووجهٌ يُحلِّل سرديًّا أغوار النفس البَشريَّة، جاعلًا الكاتب من نفسه نموذج التحليل. متَّخذًا إلى ذلك لغةً رفيعة، كما يليق بنصٍّ أدبيٍّ، لا بلغةٍ سُوقيَّة، بدعوَى الجرأة في كشف المستور. وهذا نادرٌ، إنْ وُجِدَ، في أدبنا العربي. وإنْ وُجِدَ، نال صاحبَه ما لا يُحبُّ من سفاهة النقد وسطحيَّة القراءة. نموذج هذا ما نال به (إبراهيمُ المازنيُّ، -1949) زميلَه (عبدَالرحمن شكري، -1953)، في كِتاب «الديوان النقدي»؛ لمَّا حاول شكري محاكاة هذا الضَّرب من الكتابة عند الأوربيِّين، في كِتاب أسماه «الاعترافات»، وذلك بعد عودته من (إنجلترا)، ولا سيما أنه كان، إلى ذلك التأثُّر بالغربي، مهتمًّا بالشأن الاجتماعي. فما كان من المازنيِّ إلَّا أن انتهز «الاعترافات» لينال من صديق الأمس، في شخصيَّته وعقله وأخلاقه، وكأنَّ ما كتبه اعترافاتٌ أمام محكمة، لا اعترافات أدبيَّة، لها فنُّها المعروف وأسلوبها المعهود.(2) ولربما أمعن الكاتب- وَفق هذا الضَّرب من الكتابة- في نمذجة الصُّورة لتكون بالغة الدلالة، وإنْ لم تكن بحذافيرها حكايةً واقعيَّةً عن تجربةٍ شخصيَّةٍ بالضرورة. لكن تظل مصيبة السارد العَرَبي مع متلقِّيه مصيبةً كبرَى، حتى وهو يكتب رواية؛ فإذا القراءات تُسقِطها عليه، على أنها سيرته الذاتيَّة! فكيف إنْ هو رَكِب مغامرة السِّيرة الذاتيَّة، أو المذكِّرات، أو فنَّ الاعترافات، في مجتمع من سلاسل العيوب، والمحرَّمات، والنفاق الاجتماعي، وادِّعاء الشياطين طهارةَ الملائكة؟! فلا يلومنَّ الكاتب عندئذٍ إلَّا قلمه وحماقة تقديراته الثقافيَّة!
ـ على أنَّ من أنصار تلكم الدعوة الزائفة إلى كشف المسكوت عنه، في المقابل، مَن يرَى أنَّ النص إذا مال إلى تصوير وجه الحياة الآخَر، بما فيه من الخير والحقِّ والجمال، كان- لا جرم- أدبًا تقليديًّا باردًا، لن يروج تجاريًّا، ولن يُضاء إعلاميًّا، ولن يتحلَّق حوله النقَّاد المتاجرون بالنَّقد!
ـ وهذا الامتثال المريض مردُّه، لا رؤية اجتماعيَّة لدَى هؤلاء- كما لم يكن لدَى أولئك- تجعلنا نترحَّم على (جان جاك روسو)، ولا رؤية نفسيَّة، تجعلنا نذكر (فرويد) بخير، ولا لهدفٍ إصلاحي، ولا حتى رغبة في التغيير. وإنَّما غاية ما هنالك هوسٌ بأمرين: لذة اجتماعيَّة في تذوُّق الممنوعات- ولاسيما في مجتمع مكبوت- وتربية أُغرِمت، منذ نعومة العقل والروح، بتتبُّع العورات، وفراغ النميمة، والقيل والقال. وهي خصائص نسقٍ اجتماعيٍّ عَرَبيٍّ عريق، تحوَّل مؤخَّرًا إلى الأدب، بعد أن تعلَّمت كوادرُه القراءة والكتابة، ولذلك فهو يتساقط علينا دون قِيَمٍ ولا رؤًى تتجاوز ما كان يدور على الشِّفاه بالأمس إلى ما صار يدور اليوم على الأقلام. والأمر الآخَر، هوسٌ بالتطابق مع النموذج الغربي في كلِّ شيء، لدَى مَوالي الغرب الجُدد. ذلك النموذج الذي أصبح يتحرَّك فينا بآليَّتين: آليَّة الفرض القسري، لدمغ العالم بأَسره به، وآليَّة العمالة والاستسلام الطوعي، من قِبَل الشعوب المغلوبة على عقولها وهويَّاتها، ليصبح ذلك النموذج أسوةً حسنةً لنا، حتى في عوراته وقبحيَّاته، ومن شذَّ شذَّ في النار! «وهذي، سيِّدي، كلُّ الحكاية!» ولهذا فإنَّ مَن يقرأ تلك النصوص التي تدَّعي الجرأة ،لا يجدها تَنطلِق لا من نُضجٍ اجتماعي، ولا من فِكرٍ إنساني، ولا من غايات، لا إصلاحيَّة ولا حتى فنِّية. وقبل كلِّ شيءٍ فإنَّ بعضها لم يأت عن موهبةٍ أدبيَّةٍ بأيِّ معيار. وتظلُّ الاستثناءات في هذا، لندرتها، لا تكاد تُذكَر. ومن مفارقات الحفيِّين بما يُسمُّونه (المسكوت عنه) أنهم يُلغون دَور القارئ والناقد، بل يُلغون طبيعة النصِّ الأدبي؛ من حيث إنَّ النصَّ المباشر، الذي لا يتطلَّب استنطاقًا وتأويلًا لكشف ما يُسمَّى المسكوت عنه، ليس بنصٍّ أدبيٍّ أصلًا، وإنَّما هو أشبه بعريضة شكوَى، أو نشرة أنباء، تنفُض ما في جعبتها، حتى ما يبقى فيها زيادة لمستزيد، ولا مَعين لمسترفد. أي أنها من السطحيَّة في نسيجها، والمباشرة في أداء رسالتها، بما يتنافَى مع طبيعة الأدب أساسًا، فضلًا عن تنافيها مع وظيفته الفنيَّة والاجتماعيَّة.
**__**__**__**__**__**
(1) يُنظَر مثلًا: وهبة، مراد، (1995)، الأصوليَّة والعلمانيَّة، (القاهرة: دار الثقافة)، 51-52.
(2) يُنظَر: العقَّاد، عبَّاس محمود، إبراهيم عبدالقادر، المازني، (1997)، الدِّيوان: في الأدب والنقد، (القاهرة: دار الشعب)، 57-73، 177-190.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)