د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
ذهب محمد عبدالله جبر إلى أن ضمير المتكلم للنصب يختلف عن ضمير الجر، مخالفًا بذلك عن قول جمهرة النحويين الذين أشار إلى قولهم، قال «استقر رأي النحويين على أن ضمائر النصب المتصلة جميعًا توافق ضمائر الجر المتصلة في اللفظ وتشاركها في الصورة»(1)، وذهب إلى أنه «قد أدى بهم هذا الرأي إلى مشكل فريد: فإذا كان ضمير النصب يوافق ضمير الجر في الخطاب والغيبة بأنواعهما وفي جماعة المتكلمين فإن ذلك لا ينطبق على حالة المتكلم المفرد» (2). وأيّد مذهبه بقوله «ولحظ النحاة منذ عصر سيبويه وما قبله هذا الأمر وسجلوه، وقد بيّن سيبويه ذلك، قال: «اعلم أن علامة إضمار المنصوب المتكلم (ني)، وعلامة إضمار المجرور المتكلم: الياء»(3). وصوّب قول سيبويه قال «ولقد كان سيبويه على الصواب التام في ذلك، فالظاهرة اللغوية في استعمال النصب تخالف ما في استعمال الجر، ولقد اكتفى هو بتسجيل الظاهرتين»(4).
بعد تصويبه قول سيبويه ذكر مخالفة النحويين عن قوله «وأما النحويون من بعده فإنهم قد اتخذوا وجهة أخرى مع هذا الضمير وحده، فلقد آثروا أن يكون مكونًا من قسمين: قسم رئيسي يحمل دلالة الإضمار، وقسم ثانٍ خالٍ من هذه الدلالة، فخصوا الياء بأنها علامة الإضمار وجعلوا النون حرفًا زائدًا يقي آخر الفعل من الكسر»(5).
ونجد هذه المخالفة فيما نُسب إلى المبرد، قال «قال أبو العباس: ليس هذا كما قال سيبويه؛ لأنَّه جَعَلَ علامة المنصوب بالنون، وعلامة المجرور بالياء، وهو عندي أنَّ الياء علامة المضاف إليه، كما أن المنصوب علامته الياء، ألا ترى أنك تقول: (الضَّارِبي) كما تقول: (غُلَامِي)»(6). والسيرافي، وهو من أهم شرّاح الكتاب، لم يتوقف عند قول سيبويه بل شرح بما يوافق قول النحويين، «قال أبو سعيد: اعلم أن (ني) في ضمير المنصوب النون فيه زائدة، والضمير الياء، والنون مجتلبة لعلّة؛ وهي أنهم حرسوا أواخر الأفعال من دخول كسرة عليها؛ لتباعد الأفعال من الجر، والكسرة لفظها لفظ الجر، وذلك أن ياء المتكلم يكسر ما قبلها إذا كان مما يحرك، فلمّا كرهوا كسر الفعل وآثروا سلامة لفظه أدخلوا قبل الياء نونًا تقع عليها الكسرة التي تحدثها الياء، وذلك قولك: ضربنِي ويضربنِي وأكرمنِي ويكرمنِي، وأدخلوا النون أيضًا فيما كان من الفعل المعتل الذي لا يتحرك آخره كقولك: أعطانِي يعطينِي ويدعونِي ويخشانِي، ونحو ذلك؛ لأن النون لَمّا لزمت في جميع الأفعال الصحيحة، لما ذكرناه، صار لفظ النون مع الياء كأنه الضمير»(7).
وتمسك محمد عبدالله جبر بنص آخر لسيبويه، قال «فلقد سوّى سيبويه بين علامات الجر والنصب، واستثنى ضميري المتكلم، قال: (إضمار المجرور علاماته كعلامات المنصوب التي لا تقع مواقعهن إيّا، إلّا أن تضيف إلى نفسك، نحو قولك: بي، ولي، وعندي)»(8). وليس هذا مراد سيبويه؛ بل مراده ما بينه الفارسي في نقله «قال أبو العباس: هذا استثناء منقطع، يعني بقوله: (إلّا أن تضيف إلى نفسك) الضمير الذي لا ينفصل، فإذا لم ينفصل الضمير استوى فيه المجرور والمنصوب»(9). وسيبويه هنا يسوي بين ضميري النصب والجر المتصلين، وأما نصه الأول فجاء على اتساع في القول.
ويقفنا محمد عبدالله جبر على نصّ لسيبويه فيه تصريح بتساوي الضميرين، قال «والحق أيضًا أنَّ سيبويه -مع وضوح رأيه- قد أورد مسائل ومناقشات دارت بينه وبين أستاذه الخليل وتضمنت بذور الفكرة التي نبتت لدى النحاة من بعده؛ فهو يقول: وسألته عن (الضاربي، فقال: هذا اسم ويدخله الجر، وإنما قالوا في الفعل ضربَني، ويضربُني، كراهية أن يدخله الكسر كما منع الجر)»(10). وهذا قول صريح يبين رأي الخليل وسيبويه أن الضمير الياء.
للبحث صلة
**__**__**__**__**__**
(1) الضمائر في اللغة العربية لمحمد عبدالله جبر، دار المعارف بمصر، 1980م. ص70.
(2) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص70.
(3) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص70. وانظر: الكتاب لسيبويه، 2/ 368.
(4) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص70-71.
(5) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص71.
(6) حواشي كتاب سيبويه، تحقيق: سليمان العيوني، دار طيبة الخضراء، ط2، 1443هـ-2021م، 2/ 722. وقال المحقق في ح1 من هذه الصفحة «والمبرد هنا ينقد سيبويه في أن النون ليست من ضمير المنصوب، بل الضمير الياء فقط، ولم يذكر هذا النقد في مسائل الغلط. وهذا من تساهل سيبويه في العبارة، وقد صرّح في 2/ 363: بأن «إضمار المجرور علاماته كعلامات المنصوب» أي: إن ضمائر الجر المتصلة كضمائر النصب المتصلة».
(7) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 3/ 133.
(8) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص71. وانظر: الكتاب لسيبويه، 2/ 363.
(9) التعليقة على كتاب سيبويه للفارسي، 2/ 86.
(10) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص71. وانظر: الكتاب لسيبويه، 2/ 369.